من خلال ما طرحه المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي، في مستهل حملته الانتخابية؛ يتبدى واضحاً مدى إدراك الرجل لحجم المشكلات الداخلية والتعقيدات في الخارج. فبمعيار السياسة المحض، ووفق معطيات المشهد المصري العام؛ لا بد أن تتوافر عناصر تأهيل خاصة لمن ينهض بأعباء الرئاسة. على هذا الصعيد، ينعقد الفوز لمن يستحوذ على عناصر تأهيل أوفر، ذلك على الرغم من أن ظروف مصر وواقعها الراهن، لم تتح لها ترف الخيار بين رجلين ذي خلفيتين تاريخيتين زاخرتين بالمآثر. ثمة لقطات لمواقف نبيلة، أهلت الرجلين لخوض المنافسة. والرجلان، أحدهما ــ من جهة ــ تخرج من الكلية العسكرية بعد أن انتهت الحروب، لكنه ــ من جهة أخرى ــ سجل درجة عالية من المناقبية في تنزيه القوات المسلحة عن الابتذال والرضوخ لأية قوة حزبية، مهما مكنت لنفسها في المجتمع، وحافظ على سياجها، كما سجل لنفسه حساسية وطنية أثارت الإعجاب في حرصها على كل المصريين، وفي استجابتها لمشاعرهم. والمرشح الثاني، حمدين صباحي، الذي عُرف وهو فتى يافعاً، كمعارض ثوري صلب، يتشكل تاريخه من مجموعة مواقف في سياق مقاومة السياسات الرسمية، وكانت له مناقبه على هذا الصعيد، لكنه أسير قفص الخطاب الناصري الذي لا تلائمه الآن ظروف مصر ولا ظروف محيطها. فقد انفك الكثيرون من الفخورين بتجربة جمال عبدالناصر عن المرشح حمدين، تحاشياً لسقوط الفكرة في غير زمنها.
المرشح الأول، جاء من المؤسسة العسكرية ذات الإرث الوطني الكبير، وهذا سياق مختلف عن سياق الثاني الذي جاء من قلب المجتمع المدني ومن وسط نخبته الناشطة سياسياً. فلا غبار على الرجلين من حيث المبدأ، لكن طبيعة المهمة، هي التي يمكن أن تقدم واحداً على الآخر!
لا يختلف اثنان، على أن ما تحتاجه مصر في هذه المرحلة من تاريخها، هو استعادة عافيتها بدءاً بتقليص حجم المشكلات الاقتصادية ــ الاجتماعية، والإجهاز على الخطر الأمني، ولعل هذه هي التوطئة الطبيعية لاستعادة مصر لريادتها عربياً وإسلامياً. فمن خلال ما طرح المرشح عبدالفتاح السيسي، وهو مطل من داخل بُنية الدولة، على حجم المشكلات؛ لوحظ أنه على قناعة بأن مهمته مصرية صرفة، تتطلب خليطاً من السمات، منها ما يتمثل وطنية الجيش، مع حرص على قوة الدولة وقدرتها على الحسم فيما هي تقود المجتمع، وهذه تتعلق بجزء من التجربة الناصرية في مسألتي التنمية والأمن، دون تأبط النظريات القومية العسيرة التي تجعل مصر محمّلة بعبء لا تستطيع حمله. وقد بدت رؤيته دفاعية، تتوخى صمود مصر واستقرارها واستعصائها حيال أمرين: الإرهاب وثلاثة مشروعات للتوسع والهيمنة الإقليمية، أولاها تمثلها إسرائيل الساعية إلى رضوخ عربي مُذل، أما الثانية والثالثة، فهما إيران الماضية في الاختراق وتأسيس النفوذ الإقليمي في المشرق العربي، وتركيا التي تتمثل مشروع «الإخوان» وتحظى برضى أمريكي لافت. والمشروعات الثاني والثالث، لدى كل منهما مفهومه للأمة، ويجعله متخطياً لحدوده، سعياً إلى تطبيق مشروعه. إنها ثلاثة مشروعات، اتخذ كل منها لخلفيته، هجيناً من أصولية دينية سياسية.
على هذا الصعيد، لا يطرح السيسي رؤية لمشروع نفوذ إقليمي، لأن هذا لا يلزمه ولا يلزم مصر في هذه المرحلة. بل إن الرجل، كان حذراً حتى على مستوى حقه في الرد على تدخلات ومواقف وتطلبات أصحاب المشروعات الثلاثة، فاقتصر إفصاحه على التأكيد على رفض التدخل الخارجي، وتجديد الموقف المصري حيال القضية الفلسطينية والتسوية المتوازنة. وقد تحدث من منطلق أن مصر دولة أمة، مثلما هو تعريف الدولة في العلوم السياسية. مشروعه يقتصر عليها. والأمة، عنده الآن، هي الشعب المصري. وهو غير ملوم في ذلك ولا مطعوناً في رؤيته، لأن مصر مهددة في داخلها، وتتفاقم مشكلاتها من فقر وبطالة، وتُحدق بها أخطارٌ خارجية. وفي الواقع، تعلمنا من التجارب، أن النظام الذي يطرح مشروعاً متخطياً لحدوده، فإنه يتحايل على قضايا التنمية والحقوق ويهمل الشعب بجريرة الأمة. وعندما تبدو أمنيات الوحدة والمشروع الكبير متاحة، فليس أسهل من اختلاق المشكلات وتعقيد الحسابات، لعرقلة الأمنيات والاحتفاظ بالسلطة المستبدة. لقد حكم «البعث» بلدين مجاورين في وقت واحد، وليت نظامي «البعث» اللذين تجمعهما كل أدبيات الحزب، وهما يحكمان بلدين شقيقين متجاورين، ليس من حائل نظري يحول دون وحدتهما؛ حافظا حتى على حُسن الجوار مثلما هو الحال بين موريتانيا والسنغال.
معركة المصريين لاستعادة هيبة الدولة ولإطلاق عملية التنمية والنهوض بالأعباء الداخلية وممارسة الحرية في إطار الدولة وليس بالخروج عليها، ومواجهة ما هو ملح من الأعباء الخارجية كالحفاظ على أمن مصر المائي؛ تتطلب كلها قيادة وطنية نزيهة تأخذها إلى مرحلة الدور العربي والأفريقي. لقد بات من بين حقائق ما بعد ثورة المصريين في 25 يناير 2011 أن الأهم في أية ثورة، ليس هو نتائجها وما يتعلق بالسلطة بقدر ما هو الأثر الإيجابي الذي ينتج عنها وتلمسه الجماهير الشعبية. فـ «مصطبة» المسرح ليست هي الهدف، وإنما المشاهدون. وهؤلاء، بفعل الثورة، تغيرت طبائعهم ولن يخافوا، وسيكون رضاهم هو المرتجى، أياً كان الفائز في انتخابات الرئاسة المصرية!