أحد أكثر أنماط التفكير المميتة انتشاراً وأشدها قُبحاً آفة تخوين المرأة، وأقصد بها كل سلوك إنساني يهدف إلى إبعاد المرأة عن ممارسة حقوقها كبشر ويُحكم قبضته عليها عن طريق ممارسة السلطة التي منحها إياه مُجتمع الوصاية اللانهائي عليها بدعوى أن هذا الأصلح لها.
يجب أن نعي أن هذه الوصاية ماهي إلا بقايا أنماط التفكير القديمة والتي امتدت تاريخياً إلى يومنا الحاضر بسبب أنها أفكار مميتة تملك القدرة على إعادة التشكل في أذهان الناس. يجترها المُجتمع حين يتصادم واقعه بمعطيات التجديد والتي غالباً ما ترفضها العقول المُغلقة على نفسها.
ولنستعرض تاريخية تخوين المرأة يجب أن نُدرك أنها لا تنتمي إلى مجتمع معين دون آخر ولم يكن من اختصاص دين دون آخر فتخوين المرأة قد ظهرت آفاته حتى قبل المسيح. تظهر آثار عقلية التخوين في العصور القديمة عن طريق الترميز، وهي مصاحبة لما يُعرف بالعصور الذكورية التي سيطرت على المجتمعات القديمة إلى يومنا الحاضر. وأقصد بالترميز هي اللغة التي يستخدمها الناس للتعبير عن إدراكهم لماهية المرأة والتي كانت وما زالت مبتذلة وقبيحة. ومنها الثعبان والشيطان والحية وعند العرب في العصر القديم يُرمز للمرأة بالعتبة والنعال والإناء والبيت والدمية والنعجة والشاة وغيرها. يعتقد بعض الباحثين أن سبب عقلية تخوين المرأة يرجع إلى خوف الرجل من المرأة وشعوره بالنقص اتجاهها وخوفه أيضاً من فقد إحساسه بالسيطرة عليها على خلفية أن هوس السلطة هو مبدأ ذكوري مُرتبط بالخصائص النفسية للرجل. وحين تتصادم السلطة الذي هو مبدأ ذكوري بالمبدأ الأنثوي القائم على الرعاية والتعددية حتماً ستكون الغلبة للسلطة والسبب أن المرأة بطبيعتها تتجنب المصادمات وتُفضل السلام عكس الرجل الذي يميل إلى المنافسة وكسر الحواجز. وقبل أن نُلقي باللوم على الرجل يجب أن نتساءل هل أسهمت المرأة في نمو العنف ضدها. هل أعطت الرجل الإشارة الخضراء للاعتداء على حقوقها بدعوى أنها ضعيفة وليست ذات حيلة وتحتاج إلى من يتخذ القرارات نيابة عنها وحتى يُفكر عنها؟
في مجتمعاتنا اللاحقة لهذا التاريخ يأخذ التخوين منحى ممارسة السلطة بالقانون، فالوصاية وولاية الأمر هي في حد ذاتها تخوين للمرأة ودلالة على تهالك الثقة في كون المرأة إنساناً يملك كل الخصائص البشرية، كيف بدأت هذه الثقة تتهاوى وكيف بدأت تعود تبني نفسها من جديد وهل للمرأة دور في هذا البناء؟ وفي الأساس لا بد لنا أن نُدرك أن الوصاية وولاية الأمر على المرأة لم تكن متواجدة في العصر النبوي، بل ظهرت كتشريع ديني مبني على طبائع اجتماعية وُجدت في العصور اللاحقة من الحضارة الإسلامية. إن ارتباط مكانة المرأة في المجتمع بنظرة المرأة لنفسها ارتباط قوي جداً. فحين ترى المرأة نفسها ضعيفة وليست ذات حيلة فهي تُصبح ضعيفة في عين المُجتمع وبالتالي يتفاقم الظُلم اتجاهها. وحين تفهم المرأة ذاتها وتعي قدراتها التي وهببها إياها الخالق عز وجل فإنها تمارس دورها الاجتماعي بمستوى من الاحترام والقبول عند المجتمع وفي ذاتها أيضاً.
إن إدراك المرأة لذاتها ووعيها بقدراتها على قدر كبير من الأهمية لمصلحة نفسها ولمصلحة مجتمعها. والسبب يكمن في أن قدرة المرأة على نشر مبدأ السلام والتعددية والتعايش والتكامل بين البشرية كبير، وهي في أصلها تنبع من خصائصها النفسية كأم ومانحة للحياة بإذن خالقها. ولذلك يجب على المجتمعات أن تولي اهتماماً كبيراً في تعزيز دور المرأة ومساعدتها لإدراك أهميتها وهي التي تُشكل نصف المجتمع وأماً تُنجب النصف الآخر.
آفة تخوين المرأة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
