ما من شك في أن يوم الجمعة الموافق للثالث من ربيع الآخر يمثل يوما تاريخيا في صفحات المملكة العربية السعودية؛ إذ شهد انتقال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله - إلى الرفيق الأعلى، في لحظات عصيبة حبس الشعب فيها أنفاسه وتملكته الدهشة وعاش برهة من الذهول جراء هول المصاب.
وليس المجال مجال تكرار لذكر مآثره، فهي أكثر من أن تحصى، وتناولتها الصحف والبرامج الإذاعية والتلفازية هذه الأيام، في تأكيد واضح لمكانته، وإثبات لعلو شأنه، أسبغ الله عليه شآبيب المغفرة.
لكني - ومن خلال تلك المآثر- سأتناول الجانب الإنساني في شخصيته، النابعة من تمسكه الشديد بتعاليم الدين الحنيف، فقد كان يؤكد وبشكل دائم على أن دستور هذه البلاد هو القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما كان يؤمن إيمانا تاما بمبدأ الحوار، ونتج عن ذلك تأسيسه لمركز وطني أطلق عليه (مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني) وأولاه جل عنايته واهتمامه، فكان في تطور دائم وارتقاء مستمر.
وانطلاقا من إيمانه العميق بهذا المبدأ الإسلامي الأصيل أنشأ رحمه الله مركز الملك عبدالله للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، في العاصمة النمساوية فيينا، بهدف نشر القيم الإنسانية وتعزيز التسامح والسعي إلى تحقيق الأمن والسلام والاستقرار لشعوب العالم، وكانت تلك المبادرة محل تقدير دول وشعوب العالم قاطبة، فدوّت أصداؤها في الأرجاء، حيث وجدت في مدريد الدعم والتأييد، وتوجت الجهود في نيويورك بمباركة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أما تعامله مع شعبه فقد كان يحمله في قلبه، وقد ذكر ذلك صراحة وأشهد الله عليه حيث قال أسبغ الله عليه شآبيب الرحمة: «يعلم الله أنكم في قلبي أحملكم دائماً وأستمد العزم والعون والقوة من الله ثم منكم.
» فكان يعتبر شعبه أبناءً له.
لقد كانت علاقة أبوية حانية قلّ أن يوجد لها نظير في زماننا، ويظهر ذلك حتى على ألسنة الأطفال الأبرياء، وقد شاهدت عدة مقاطع عبر برامج الجوال لأطفال وهم يبكونه بكاء الولد لفراق أبيه، في صورة من صور الود النادر.
وقد كان لحسه الإنساني انعكاسه على شعبه، فبادله حبا بحب، وقد عاينت بنفسي دموع الداعين له في المسجد النبوي يوم الجمعة الماضي، وهو اليوم الذي توفي ودفن فيه، عندما ابتهل خطيب الجمعة الشيخ عبدالمحسن القاسم إلى الله أن يغفر له ويضاعف حسناته ويعلي درجاته، تلك الدموع كانت نابعة من قلوب صادقة في ذلك المكان الطاهر.
وقد وصف فضيلته هذا النبأ بالعظيم والخطب الجسيم حيث رزئت الأمة به.
أما حديثه فكان ينساب كالماء الزلال، بشفافية وتلقائية، بعيدة كل البعد عن التكلف، فهو يتكلم دون إعداد مسبق، مما يشعر المتلقي بأن الكلمات نابعة من القلب، وربما كان آخر ذلك وصفه للنساء بأنه لم ير منهن إلا كل خير، معلقا، رحمه الله، على المرض الذي أصابه «عرق النسا».
وكان يلاطف الأطفال قبل الشباب وكبار السن، وكم هو رائع نشر صور عديدة له وهو يقبل رؤوس وأيدي الأطفال، فبعد كل عملية فصل توائم يستقبلهم حتى ولو كان في روضة خريم، ويشاهده الجميع وهو يقبلهم بحنان الأبوّة، في مشاهد تناقلها العالم عبر القنوات الفضائية.
كل ذلك جعل الوجدان يضطرب قبل الأبدان لموت هذا الفذ من الرجال، فالأفئدة تكاد تتفطر، حيث كانت إنسانيته أنموذجا يحتذى ومثلا يقتفى، فطبت حيا وميتا، يا من بذلت عمرك وجهدك خدمة لشعبك ووطنك، وأوليت قضايا أمتك جل عنايتك وفائق اهتمامك، نضّر الله روحك ونوّر ضريحك.
والدعوات مخلصة والأماني صادقة، والأكف ترتفع ضارعة للمولى جل في علاه لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بأن يديم الله توفيقه ويمده بعونه وتأييده، والحال ذاته لولي عهده الأمين الأمير مقرن بن عبدالعزيز، بأن يعينه على حمل أمانة الوطن وأن يكلل مساعيه بالسداد، ولسمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف، أدامهم الله عزا للإسلام وذخرا للمسلمين، ودمتِ بلاد الحرمين آمنة مطمئنة في ظل قيادة سديدة وحكومة رشيدة.
عبدالله الإنسان.. تفتقدك الأوطان
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
