في بداية مسيرة د.
عبدالوهاب المسيري الأكاديمية في أمريكا، كتب مقالا يهاجم فيه كتاب الشعر لأرسطو مستعينا بعدد كبير من المعلومات، فقال له المشرف على دراسته «يا سيد عبدالوهاب، أعلم أنك عبقري، وأن لديك معلومات أكثر من أرسطو، لكن المسألة ليست مجرد معلومات»! ونصحه أن يهتم بفهم عقلية أرسطو ومحاولة التعرف على المنهجية التي اتبعها في كتابه عن الشعر بدلا من الاستعراض بكثرة معلوماته.
لا يشك أحد أن خريجي كليات الطب الآن لديهم معلومات طبية أكثر من ابن سينا أو الرازي، لكن المنزلة الطبية التي حصلاها كانت نتيجة المنهجية العلمية والعمق في التفكير اللذين يفتقر إليهما كثير من خريجي كلية الطب، لأن هناك فرقا كبيرا بين الحصول على معلومة طبية من كتاب والحصول عليها بعد تجارب امتدت لأشهر.
نشهد الآن تدفقا هائلا في المعلومات عن كل شيء، في السياسة - الاقتصاد - الفن - الإرهاب - الرياضة، وصارت جلساتنا تتمحور حول «سمعت ما قال فلان، قرأت ما كتبه علان»، لكن هذه الكميات الهائلة من المعلومات لم تحسن من قدرات الناس العقلية في العموم.
بالتأكيد أن تعلم ما عرض نهر الأمازون أفضل من ألا تعرف ذلك، ولا يمكن الحديث عن عقلية ناقدة من دون الاستناد إلى معلومات، لكن قدرات الإنسان الذهنية وضيق الوقت لا يسمحان للواحد منا باستيعاب وترويض هذا الحشد الهائل من المعلومات ومعالجتها بطريقة تحسن من فهمنا لما حولنا.
كتب الثقافة العامة تقدم معلومات مثل متى ولد نابليون وما هي عملة سريلانكا؟ وهي معلومات صحيحة بلا شك، لكن حيث إنها تنتزع من سياقها، من السهولة حفظها بطريقة خاطئة أو توظيفها بشكل سيئ.
كتب أحدهم مقالا ذكر فيه مرة أن الاحتلال الصليبي لفلسطين استمر 900 سنة! مع أن تاريخ الإسلام كله 1430 سنة، 70 سنة منها احتلال إسرائيلي لفلسطين، هل يعقل أن سيادة المسلمين على فلسطين كانت مجرد 300 سنة! لكن الصحيح أن الاحتلال الصليبي استمر فقط 90 سنة والكاتب التقط الرقم بسرعة واستخدم المعلومة من دون أن يمحصها.
لذلك الأفضل للواحد منا أن يكون لديه معلومات أقل، لكن أن تكون مرتبة ومترابطة بطريقة منهجية، بحيث يمكن الاتكاء عليها لتحليل مشكلة أو فهم ظاهرة، من أن يكون لديه معلومات كثيرة من قبيل كم عدد القطط في موزمبيق؟
كم عدد القطط في موزمبيق؟
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
