اتفق عدد من المثقفين على أن الاجترار الأعمى للماضي دون تبصر وتفنيد، يبقي الأجيال محصورة في دائرة أفعال وأحداث ليست جزءا من خياراتها ولا هي مسؤولة عنها، مما يعرقل ديناميات التحضر والرغبة في التقدم، وقالوا لا أحد يرغب في تجاهل الماضي، فهو في النهاية جزء أصيل من كياننا وشخصيتنا، لكن فرضه على الحاضر يحرمنا فرصة التفاعل الإيجابي مع معطيات العصر وتحدياته.

الرؤية الناقدة مسؤولية المثقف

يقول القاص حسين العلي إن الماضي ميراث لا يستغنى عنه، ومنه تستمد الشعوب شرعية الوجود، وتلحظ ذلك في كل الأماكن ولدى كل الأديان، وانطلاقا من النموذج الذي نعيش في إطاره وهو المجتمع الإسلامي، ستجد أن جميع المذاهب والتيارات والرؤى تعتمد على الرواية المنقولة من الماضي، كقول أو فعل أو تقرير مقدس، على المتلقي قبوله والتسليم به، حتى يتأكد من أمرين، أمر داخلي ذاتي بأنه مؤمن، وأمر خارجي بأنه ضمن منظومة الجماعة، وفي السياق العام الذي يؤمن له العيش بأمان.


"الماضي ليس بالضرورة أمر سيئ أو علامة تخلف أو غياب وعي، إلا في حال الأخذ على العلات، وهذا في الواقع ما يجب الانتباه إليه وتمحيصه، فالماضي يحمل لنا تاريخ أفعال بشر فيها ما فيها من خير وشر، وبالتالي تتركز مسؤولية المثقف في أن يفرق بين أمور عدة، وأهمها عدم الخلط أو الميل أو الاستناد على فكر الموروث كحالة مسلمة، فالحقائق والأفكار هي حالة حية تتغير مع تغير الوقت والناس والزمن والجغرافيا".

حسين العلي


"لو أمكن تطويع التراث وإعادة صياغته صياغة جمالية وإنسانية بالارتكاز على رؤية معاصرة، لحقق حالة من التوازن، ولأنجانا من تهمة الانفصال عن الجذور، فللتراث والأحداث معطيات إيجابية تتمثل في فهم ذلك الزمن بكل معطياته وقراراته وطريقة تفكير أهله، كما لهما معطيات سلبية تؤصل لاجترار المآسي والعذابات ومحاولة تصفية الحسابات على أخطاء لا ذنب للواقع في وقوعها، فالتراث يغذي ملكة الفكر، ويبقى على المثقف استخلاص ما يعزز حضوره الإنساني والوطني والثقافي".

علي الرباعي


"لا يمكن لأمة مثل الأمة الإسلامية، التي يرتبط دينها بتاريخها بقوة، أن تعيش بمعزل عن ذلك التاريخ، لذا نجده حاضرا في واقعنا، فنحن لا نعيش في ظله فحسب، بل تستحضره شعوبنا لتعيش فيه أيضا، وهنا نحن أمام حالتين من حالات التعامل مع التاريخ، فإما اجترار سلبي للماضي لفرضه على الحاضر بجهل، أو قراءة التاريخ قراءة إيجابية تدفع ديناميات المجتمع للحركة بفاعلية ورشد للأمام".

حسين بزبوز


"بالإمكان استعراض الأحداث التاريخية لتأصيل الفكر النقدي لدى الجيل الجديد، عبر النظر من زاوية الأخطاء التاريخية والحروب التي تؤكد أن رجال التراث كانوا مثلنا لهم صراعاتهم السياسية وطموحاتهم الخاصة وما إلى ذلك، أما إن كان استعراض الماضي من باب الاجترار ليعيش الجيل الجديد المآزق القديمة نفسها، فعلينا الحذر كي لا ينساق المجتمع إلى حالة اصطفاف يغذيها شعور كاذب للدفاع عن تأويلنا الدموي للتاريخ، فيتم استعادة الشخوص كطوطم للابتزاز والاصطفاف الأعمى".

مجاهد عبدالمتعالي