لا تقتصر معاناة ساكني بعض الأربطة الخيرية على العيش بعيدا عن الأهل والأصحاب، بل تتعدى ذلك إلى مشكلة المساكن المخصصة لهم، إذ تفتقر إلى الصيانة الدورية، ويتجاوز عدد قاطنيها الطاقة الاستيعابية بحسب مسؤولين حكوميين. ويزيد الأمر تعقيدا، تعدد الجهات المشرفة على الأربطة بين أفراد وجمعيات خيرية وجهات حكومية، مما يؤدي إلى اختلاف طرق العناية بالقاطنين فيها، وكان سببا في ظهور حملات تطوعية لتلمس احتياجات الساكنين والعمل على تأمينها.
ويسكن محمد الحربي مع 7 من إخوته ووالده في غرفتين بأحد أربطة المدينة المنورة منذ 15 عاما، وسط غياب الصيانة وتردي النظافة على حد قوله.
ويخشى من أن يتعرض ساكنو الرباط للخطر بسبب قدم المبنى وعدم صيانته على مدى أعوام، مشيرا إلى أن زيادة عدد القاطنين أدت إلى مشكلات كثيرة تتوارى قليلا ثم لا تلبث أن تطفو على السطح عند أي حدث كاتساخ الدرج.
وذكرت امرأة تنقلت بين أربطة خيرية في المدينة المنورة (فضلت عدم ذكر اسمها)، أن فاعلي خير يوقفون أربطة ويتركونها دون صيانة أو تسديد فواتير، فتنقطع خدمات الماء والكهرباء عن السكن أياما حتى يتبرع فاعل خير لحل المشكلة.
قصور أداء
وقالت الباحثة الاجتماعية في المرصد الحضري في المدينة المنورة وجنات الشريف لـ«مكة»، إن «المرصد» سجل قصورا واضحا في أداء مسؤولين عن الأربطة الخاصة وهو ما يتضح من تهالك بعض المباني وغياب وسائل السلامة فيها وسوء نظافتها، إضافة إلى تكدس الساكنين وغياب المساواة كأن تقطن أسرة يزيد عدد أفرادها عن 10 أشخاص في غرفتين صغيرتين.
وأضافت أن ساكني الأربطة خصوصا النساء يواجهن نظرة دونية من بعض أفراد المجتمع، مشيرة إلى أن مسؤولا عن رباط خيري أخرج الساكنين بداعي الترميم وأغلقه.
إلى ذلك، أوضح مدير فرع وزارة الشؤون الإسلامية في المدينة المنورة الدكتور محمد الخطراوي، أن الأربطة في المدينة المنورة تضم 576 رباطا تشرف الوزارة على 14 منها، في حين 562 رباطا موقفة من قبل أصحابها، وتتعامل الوزارة معها وفق ما ينص عليه شرط الواقف. وأضاف أن جهات حكومية عدة من بينها «الشؤون الإسلامية» و«الصحة» و«الشؤون الاجتماعية» تشرف على سكان الأربطة. وتطرق إلى أن وزارة الشؤون الإسلامية تشترط على الراغبين بالاستفادة من الأربطة حسن السيرة والسلوك وإثبات الحاجة للسكن، إلى جانب انطباق شروط الواقف عليهم، وذلك بحسب ما يخصص الرباط له من فئات كأرامل أو فقراء أو مسنين.
مبادرة شبابية
وبدأ فريق تطوعي حملة عبر موقع فيس بوك بعنوان «أربطة جدة»، تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة ساكني الأربطة، وحث المجتمع على التبرع لهم.
وأكدت عضو الفريق زينب أبكر، أن النشاط الفعلي للفريق بدأ منذ رمضان الماضي، عبر توفير أغذية وملابس وكسوة عيد لساكني بعض الأربطة وتنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال، مضيفة أن الفريق يعمل حاليا على تجهيز رحلات لأداء العمرة. وعزت اختيار الأربطة مجالا لعمل الفريق إلى نقص الاهتمام بكثير منها، لافتة إلى أن أكثر احتياجات ساكنيها تتمثل في الخدمات العلاجية والدوائية والأجهزة الكهربائية.
ويعمل الفريق على رصد احتياجات الأربطة وإدراجها عبر صفحته في موقعي فيس بوك وتويتر مع وضع عنوان كل رباط كي يتسنى للمتبرعين توصيل تبرعاتهم بأنفسهم إن رغبوا.
قصص وراء الجدران
وخلف جدران الأربطة الخيرية في جدة، تبرز قصص عن معاناة الساكنين، ومنها قصة فاتن التي طلقها زوجها بعد أن اكتشفت زواجه من خادمة آسيوية تعمل لدى العائلة، فوجدت نفسها تلحق بوالدتها التي تسكن الرباط منذ 8 أعوام حسب قولها.
أما بدرية فكانت تتردد على رباط خيري للحصول على معونات بسبب إصابة زوجها بفشل كلوي، وبعد وفاته لم تجد مكانا تذهب إليه سوى الرباط.
توحيد بيانات المستفيدين
وأكد عمدة محلة اليمن والبحر في جدة عبدالصمد محمد عبدالصمد، أن الأربطة كثيرة في المحافظة، منها الحكومية والخاصة إلى جانب المبرات التابعة للجمعيات الخيرية، مشيرا إلى أن مجموعة من الجهات الحكومية المسؤولة عن الأربطة تدرس توحيد بيانات المستفيدين، لتفادي تنقلهم من رباط لآخر.
وأضاف عبدالصمد الذي شارك في تأسيس جمعية خيرية تعنى بخدمة الأربطة، أن معظم الأربطة الموجودة في الأحياء التاريخية بجدة صالحة للسكن، بينما عدد قليل آيل للسقوط لكنه يخضع لعمليات إعادة تأهيل وفق اشتراطات تشمل إعادتها كما كانت في السابق دون أن تفقد هويتها التاريخية.

