تبرز هذه الخريطة وهي واحد من الخرائط الأربعين التي نشرها ماكس فيشر في موقع «فوكس»، أخطر قضيتين جيو - سياسيتين تهددان الشرق الأوسط والعالم بأكمله، ونظرا لتداخلهما وتشابكهما فهي تعرض بالتفصيل للدوافع والأسباب ومختلف الاحتمالات التي تنتظر المنطقة.القضية الأولى هي “برنامج إيران النووي”، حيث تخوض طهران حاليا مغامرة كبيرة في هذا المجال.
وبينما يقول قادتها إن البرنامج صمم لأغراض سلمية، لا يوجد أحد في العالم يصدق هذه المزاعم، ولذلك فرضت عقوبات اقتصادية مشددة على إيران في محاولة لإقناع قادتها بالتوقف عن تطوير البرنامج النووي، مما يشير إلى أن العالم متأكد بالفعل وواثق بأن غرض إيران الأساسي هو “إنتاج أسلحة دمار شامل”.
وعلى طول امتداد هذه الخريطة تستطيع أن ترى كيف طورت إيران طريقة وآليات “إخفاء” المواقع النووية عن أعين الرقابة الدولية، وكيف أن بعض هذه المفاعلات ظلت إيران تحتفظ به سراً في أعماق الأرض ومنذ سنوات طويلة، وهو ما اكتشف مؤخرا.
القضية الثانية، والتي تبرزها الخريطة هي إمكان شن إسرائيل – بشكل افتراضي - ضربات عسكرية جوية ضد المفاعلات النووية داخل الأراضي الإيرانية.
فالتوتر في العلاقات بين إسرائيل وإيران شهد تصاعدا في الفترة الأخيرة إلى حد ينذر بالحرب.
وهذه أخطر قضية تواجه العالم الآن وليس الشرق الأوسط وحده، لأن هذه الحرب أصبحت أكثر الحروب احتمالا في هذا الجزء من العالم.
والسبب الرئيس هو أن إسرائيل قلقة من إنتاج إيران لأسلحة نووية مدمرة لأنها ستستخدمها ضدها، وإيران قلقة بسبب تهديد إسرائيل لها ومن ثم تسعى حثيثا لامتلاك أسلحة الردع النووي، وتلك المعضلة الأمنية – كما يطلق عليها – يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة سيئة.
التنوع الديني والعرقي في إيران
معظم الإيرانيين من الفرس وهم من أكبر المجموعات العرقية التي تمتد تاريخيا إلى أسلافهم في الإمبراطورية الفارسية القديمة، لكن إيران أكثر تنوعا من ذلك بكثير، حيث تظهر هذه الخريطة التنوع الديني والعرقي الكبير فيها.
أما الأقليات الكبرى هناك، فهي تشمل العرب في جنوب إيران والأكراد في الغرب والآذريين في الشمال، ومعروف أن إيران تسعى للسيطرة على كل الأراضي الآذرية، وأغلبية الآذريين يقطنون جمهورية أذربيجان.
وهناك أيضا البلوش في الجنوب الشرقي من إيران، وهم أيضا أقلية كبيرة في باكستان وأفغانستان، وهناك اضطرابات كبيرة في المنطقة المشتركة الممتدة بين البلدين، وحتى إيران.
كيف تغيرت الحدود الإيرانية في بدايات القرن العشرين
تعتبر إيران من دول الشرق الأوسط التي لم تستعمر من الدول الغربية، علماً أنها في تلك الفترة الزمنية، أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الغزو الأوروبي في أوائل القرن العشرين، ولكن ذلك لم يحدث بشكل مباشر، إذ فقدت كثيرا من أراضيها لروسيا القيصرية كما يبدو في الأجزاء باللون الأحمر.
وبعد ذلك، أرادت كل من روسيا القيصرية والإمبراطورية البريطانية (التي كانت مستعمراتها تمتد حتى الهند شرقا)، عبر اتفاقية سرية عام 1907، تقسيم إيران كمنطقتي نفوذ بريطاني في الجنوب الشرقي، وروسي في الشمال.
ورغم أن إيران لم تكن تحت السيطرة المباشرة، فقد تعرضت الحكومة الإيرانية للمضايقات وضغوط اقتصادية واستغلال لمواردها، وهو تاريخ لم ينس إذ لا تزال هذه “الاتفاقية السرية” بين روسيا وبريطانيا تشكل جرحا بالنسبة للإيرانيين حتى اليوم.
ملايين اللاجئين ومساعدات شحيحة
لم تكن الحرب الأهلية في سوريا مجرد كارثة وطنية بالنسبة للشعب السوري فقط، إنما للبلدان المجاورة والقريبة أيضا.فقد شردت هذه الحرب ملايين السوريين إلى بقية دول الشرق الأوسط وحتى بعض البلدان في أوروبا، حيث يعيش السوريون في مخيمات كبرى للاجئين تحتاج إلى معونات ومساعدات ضخمة للإنفاق على هذه الأعداد الغفيرة.
ومشكلة اللاجئين السوريين تضغط بقوة على الميزانيات الوطنية للدول المضيفة والمجاورة، وهي ميزانيات -بطبيعتها- ضعيفة أصلا.
وتكشف هذه الخريطة بوضوح عن حجم المأساة سواء للنازحين هربا من مناطق القتال والدمار داخل سوريا (ويقدر عددهم بنحو 6.5 ملايين غير الأعداد الأخرى التي يصعب حصرها)، أو اللاجئين السوريين الفارين إلى الدول العربية والأجنبية الأخرى.ويبدو أن أكثر البلدان تضررا من الحرب السورية هي الأردن ولبنان الذي أصبح مأوى للاجئين من الدول العربية المختلفة، حيث توجد مخيمات للفلسطينيين بأعداد كبيرة، ومناطق كاملة على أراضيه، ويمكن القول إنه بين كل خمسة أشخاص في لبنان يوجد لاجئ واحد غير لبناني.
ورغم أن الولايات المتحدة ودول أخرى قدمت بعض المساعدات لهؤلاء اللاجئين فإن الأمم المتحدة لا تزال تؤكد أن هذه المساعدات غير كافية على الإطلاق لسد رمق اللاجئين السوريين وأساسيات الحياه الضرورية!
لاعبو حرب سوريا والمستقبل القاتم
تكشف هذه الخريطة عن اللاعبين الأساسيين في الحرب الأهلية السورية المحتدمة، بعد 3 سنوات من القتال العنيف والتي تدار بين 3 أطراف: القوات الحكومية للرئيس بشار الأسد، والمعارضون لحكومته الذين يطالبون بالديمقراطية، وإسلاميون متطرفون أصبحوا لاعبا رئيسا لا يستهان به منذ أكثر من عامين.
ويمكن ملاحظة التداخل والترابط حيث تبدو المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد (باللون الأحمر) وتمتزج فيها أغلب الأقليات في سوريا ومعظمها من المؤيدين للنظام، بينما يتمركز المعارضون (وهم الأغلبية العددية) - معظمهم من المسلمين السنة - في المناطق ذات (اللون الأخضر).أما الأقلية الكردية السورية فتمتلك أيضا ميليشيات خاصة تتمترس في المناطق التي يعيش عليها الأكراد.وخلال العام الماضي، تصاعد دور فصيل رابع هو جماعة “داعش” المتطرقة، أو الدولة الإسلامية في العراق والشام وتسمى أحيانا (ISIS) كما هو موضح باللون الأزرق.ورغم أن مقرها في العراق وتدين بالولاء لتنظيم القاعدة، فإن أنصارها يقاتلون كلا من القوات العسكرية الحكومية والمعارضين لها في نفس الوقت، لذلك فإننا نشهد ونشاهد حربا ثلاثية حامية الوطيس الآن، ما يجعل إمكان وضع نهاية قريبة لها من أعقد الأمور وأصعبها.
دوراند قسم البشتون وأنتج طالبان
كيف خط (أو خطط) الكولونيل البريطاني السير هنري مورتيمر دوراند (Mortimer Durand) للصراع المستمر والدائم في أفغانستان؟ دعك من تفاصيل هذه الخريطة موقتا وركز على المساحة التي يشغلها اللون البرتقالي – ففي هذه المنطقة تعيش جماعة عرقية كبيرة تسمى البشتون.
ففي نهاية القرن التاسع عشر (1893) ادعى الكولونيل دوراند، ممثل بريطانيا في الهند أنه عقد اتفاقية مع حاكم أفغانستان بعد سلسلة من الحروب المفتعلة، وقام بترسيم خط حدودي حمل اسمه، وكان الهدف الأساسي هو: فصل الهند التي كانت تضم آنذاك الهند وباكستان وبنجلاديش، عن أفغانستان المضطربة.
هذا الخط الذي يمتد على مسافة 2640 كلم (باللون الأحمر) يمثل أيضا الحدود بين أفغانستان وباكستان الحديثة، حيث استطاع أن يقسم جماعة البشتون الكبيرة إلى قسمين كبيرين: الأغلبية من البشتون تعيش في أفغانستان والأقلية في باكستان، لكنه ظل خطا وهميا لم ينجح في تقطيع الوشائج بين هذه الجماعة المتجانسة عرقيا وثقافيا، وإن كان قد نجح بجدارة في جعل المنطقة ملتهبة دائما نظرا لتضارب مصالح دول المنطقة، في علاقتها بالبشتون.
ويكفي أن نعرف أن معظم “الطالبان” ينتمون إلي البشتون، وهي حركة متطرفة تثير القلاقل في كل من أفغانستان وباكستان، ولها مراكز للتعليم والتدريب العسكري هناك، كما هو موضح باللون البرتقالي الداكن، داخل حدود باكستان.
حرب 1989 مزقت أفغانستان
في 1979، غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان للدفاع عن الحكومة الشيوعية الموالية لموسكو ضد الجماعات المتمردة المتنامية هناك.
لكن الولايات المتحدة قامت بتمويل وتسليح المعارضين.وقد وقع اختيار وكالة الاستخبارات الأمريكية وقتئذ على “المتطرفين” - وعن قصد - نظرا لكفاءتهم القتالية.
وعندما دحر السوفييت في أفغانستان وسحبوا قواتهم العسكرية في 1989، تحولت الجماعات الأفغانية إلى قتال بعضها بعضا.وتكشف هذه الخريطة عن الحروب الأهلية المروعة، حيث يشير اللون الأحمر إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة الأفغانية ابتداء من 1989.أما بقية الألوان فهي المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، وبعضها مثل جماعة الحزب الإسلامي (بزعامة قلب الدين حكمت يار) لا تزال تقاتل إلى اليوم، وإن كان معظم هذه الجماعات قد هزم مع صعود نجم جماعة “الطالبان” التي سيطرت على البلاد منذ 1990.
أهم مراحل الحرب الأفغانية
الحرب في أفغانستان شديدة التعقيد للغاية، لكن هذه الخريطة تقدم تلخيصا رائعا لأهم محطات هذه الحرب وتطورها:
1- اللون البرتقالي يشير إلى المناطق التي يسيطر عليها “الطالبان”.
2 - البقع الخضراء الشاحبة هي مناطق تسيطر عليها قوات الولايات المتحدة والحلفاء.
3 - العلامات الزرقاء تشير إلى القواعد العسكرية الغربية (الكبري).
4 - مناطق زراعة وإنتاج الأفيون التي تعد أكبر مصدر لتمويل حركة طالبان، توجد في وسط الخريطة باللون البني، أما الدوائر الأكبر من اللون البني فتشير إلى التوسع المضطرب في إنتاج الأفيون.
5 - اللون الأحمر يشير إلى خطوط الإمداد من باكستان، وأحيانا تغلق باكستان هذه الخطوط من جهة الجنوب، ولكنها تتعرض لهجمات متكررة من جماعة طالبان.
6 - خط الإمداد الروسي داخل أفغانستان، ولا يمكن السماح باستخدامه دون موافقة روسيا.
طالبان والبشتون.. التماهي بين الأيديولوجيا والعرق
هذه الخريطة تؤكد مدى خطورة الحرب الحالية في أفغانستان، وهي الحرب التي بدأت فعليا في 2001 عندما غزت القوات الأمريكية والحلفاء أراضي أفغانستان.
وللتأكيد هنا، فإنه ليست الحرب ضد السوفييت بين 1979 و1989، أو الحروب الأهلية بين 1989 و2001 هي مصدر خطورة الحرب الحالية الدائرة هناك، لأنها ببساطة لم تكن حروبا عرقية.
إن جماعة الطالبان – على سبيل المثال وليس الحصر – ترتبط بوشائج مع جماعة البشتون في الجنوب والشرق من أفغانستان.
وهذا أمر شديد الأهمية لا سيما أن جزءا كبيرا من جماعة البشتون يعيشون داخل باكستان، حيث توجد مراكز طالبان للتدريب على العمليات العسكرية.
وإلى جانب جماعة طالبان، توجد جماعات أخرى من الموالين لها، وليست من البشتون.
وبوجه عام فإن شمال أفغانستان أكثر استقرارا وأقل عنفا من جنوب البلاد وشرقها.

