المثقف هو شخص يعرف شيئا عن كل شيء، بينما المتخصص هو شخص يعرف كل شيء عن شيء. ولا تعارض في أن يكون أحدهم مثقفاً ومتخصصاً معاً، وهذا مطلوب. ولكن المشكلة تحدث حينما يكون المتخصص غير مثقف، فينحصر تفكيره في منطقة معينة ويرفض أسر أي فكرة من مجال آخر، أو يرفض تبادل الأسرى مع المتخصصين الآخرين.
قابلت متخصصين في الإعلام والصحافة، يلتبس عليهم الأمر فيما يخص الحياد والموضوعية، فيعيشون وهم الترادف بين المصطلحين، ويدافعون عن الأمر بشكل يشعرك بأنهم فاهمون، بينما الحقيقة أنهم متخصصون غير مثقفين؛ فمعاملة الحياد والموضوعية كونهما شيئاً واحداً هي جريمة يعاقب عليها الضمير المهني.
بين المصطلحين تماسات كثيرة، لكنهما ليسا شيئاً واحداً. الحياد لغوياً هو الوقوف على مسافة متساوية من كافة الأطراف وعدم الميل لأحدهما على حساب الآخر، فهي تحمل في طياتها إمكانية المساواة الكاملة بين الضدين!
والحياد وسيلة من خمس وسائل لتحقيق الموضوعية، التي هي الغاية الكبرى للإعلام (الوسائل الأربع الأخرى هي الدقة «نقل الخبر كما جاء من المصدر» - والإنصاف «عدم إلحاق ضرر بأي ممن تشملهم القصة الخبرية» - والتوازن «عكس الوزن النسبي الصحيح لأطراف الصراع» - والعمق «إيراد سياق الخبر وخلفيته»). وكلما حققنا الوسائل الخمس بنسبة أكبر حصلنا على درجة أكبر من الموضوعية (فهي قيمة لا يمكن إدراكها بالكامل).
وكل ما سبق، سواء وسائل أو غاية، لا بد وأن يتحقق في التغطية الخبرية، أما إعلام الرأي فلا يلزمه تحقيق ذلك. ولهذا فمن قبيل النكتة مكتملة الأركان أن نُطالب وسائل الإعلام الخاصة -القنوات الفضائية غير المملوكة للدولة مثلاً- بأن تكون حيادية في إبداء رأيها! وهذا عبث، فلكل شخص أجندته الخاصة ولا بد أن ينفذها، ولكن المطلوب منها فقط هو الموضوعية. وغياب الحياد طبيعي ومطلوب (لأن إبداء الرأي يتطلب بالضرورة الانحياز)، لكن الأزمة تحدث حين تختل الوسائل الخمس فتغيب الموضوعية وتتحول الـ«قنوات» إلى «فتوات» تريد خفض «الصوت» وإعلاء «السوط» لفرض الرأي بالقوة.
الحياد والموضوعية ليسا شيئاً واحداً، الأول وسيلة والثانية غاية، الأول عكسه الانحياز والثانية عكسها الذاتية. أرجو عزيزي القارئ أن تقرأ مقالي بموضوعية، وهي تستلزم الحيادية، بينما الحيادية لا تستلزم الموضوعية. فاهمني والا لأ؟