رحم الله الزميل والصديق والمخرج الصحفي الكبير (حمزة باديس)، ذلك الجزائري الشهم الذي ولد في الغربة ومات فيها، زاملت باديس سنين طويلة وتعلمت منه الكثير في صحيفة (عكاظ) التي كانت مدرستي الصحفية الأولى، والتي تعلمت فيها أصول المهنة وخفاياها على أيدي زملاء كثر من مصر والسودان والأردن والمملكة وغيرها، وكان حمزة باديس - رحمه الله - من أنبلهم وألمعهم، وأكثرهم نشاطا وحيوية، وسخاء في نقل خبرته ومهارته إلى زملائه، لقد كان يعمل بلا كلل ولا ملل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا، وعلى الرغم من عصبيته وحدة مزاجه، إلا أنه كان صديقا للكل، فبين استفزاز عصبيته وبين النكتة والضحك تلازم غريب، فلا تراه منفعلا، إلا وتراه خلال ثوان معدودات ضاحكا يروي النكتة تلو الأخرى.
غادر حمزة عكاظ في ظرف غامض استدعى سرعة رحيله إلى بلاده، ومنذ ذلك التاريخ في النصف الأول من التسعينات وهو على تواصل مع زملائه وكنت أحد السعداء بذلك التواصل، وقد جرت محاولتان لعودته للعمل في تأسيس الوطن عام 2000، ثم في تأسيس الشرق بعد ذلك بعشر سنوات إلا أن ظروفا معينة حالت دون ذلك، وكنت سعيدا وهو يبلغني باستقراره في عاصمة الأردن ونجاحاته العملية التي أتوقعها دائماً من قامة صحفية وفنية مثله.
ومنذ سنوات ونحن نتواصل عبر الهاتف أو وسائل التواصل الأخرى، ولم يخل ذلك التواصل من استعادة الذكريات المشتركة وطرائف ومواقف العمل ومصاعبه، وهموم وشجون الحياة المختلفة، وفي آخر تواصل بيننا منذ بضعة أسابيع، وكنت أسأله عن صحته وظروفه أسئلة ممزوجة بالمزاح، فرد بشموخه المعتاد قائلا: ما زالت ذلك الشاب الذي يحب الحياة ويعشق الجمال ويهوى المهنة ويتفانى في العمل، فضحكت وقلت: هذه أوهام ما بعد منتصف العمر يا حمزة! قال: حتى وإن كانت وهما أو حلما ألا تريد أن نتشبث به، ماذا بقي إذا لم نتشبث بالحلم؟
ولم يمهله القدر، فاجأه الموت وكسر قلبه وحلمه، رحمه الله وعوضه خيرا من دنياه التي عاش فيها من غربة المولد إلى غربة الممات بعيدا عن وطنه وأهله، وذاك قدر كثير من المبدعين العرب
أمثال حمزة.