لم تعد العبارة الجميلة «جدة غير» قصرا على جدة، بل من الواضح أنه جاء علينا حين من الدهر لنستعين بها لوصف حالات أخرى من هذا «الغير» والغير هنا بمعنى المختلف الذي لا شيء مثله. وبهذا أصبح متاحاً لنا لنقولها عن «أمطارنا» التي أصبحت «أمطار غير».
حين كانت السماء توشك أن تمطر كان الناس يبتهجون، يسارعون في استقبال المطر من نوافذهم، في حقولهم، وعلى أسطح منازلهم، وفي الشوارع والأزقة البسيطة، وتمطر السماء لساعات طويلة، ما زلت أتذكر كيف أن كانت السماء تمطر طوال الموسم ونذهب للمدرسة مشياً تحت المطر ولا شوارع تغرق ولا أرصفة تخيفنا، مع أن المطر كان مستمراً من الليلة السابقة، نعم كان هذا ما يمكن أن نسميه رحمة المطر، والأرض حين كانت بخير كانت الشوارع وفية للبشر وللحجر وللمطر.
اليوم حين توشك السماء أن تمطر يصاب الناس بالهلع، بل وصل الأمر بهم أنهم أصبحوا يطلبون من الله أن يرفع عنهم ابتلاء المطر، لأن الأرض ستخونه، فقد خان البشر أماناتهم وخانوا الأرض.
قبل أربعة أعوام نشرت إحدى الصحف خبرا عن تخصيص 3 مليارات لمشروع الصرف الصحي في مكة المكرمة فقط، وأصبح اليوم من الضروري أن نتساءل: أين ذهبت المليارات؟ وتركت الأرض بدون تصريف؟ نعم ميزانية الخدمات «غير» ولكن يبدو أنه حتى القائمين عليها «غير»!
لهذا أصبح «مطرنا غير» لم يعد مطر الرحمة الذي ينتظره الناس، أصبح يخيفهم مثل أي عارض غير مرحب به يحل بهم ويطال ممتلكاتهم وأرواحهم ومدينتهم.
لا أعرف كم من المسؤولين شعروا بالخزي وهم يشاهدون ما حدث في شوارع مكة المكرمة بعد نزول المطر الذي أصبح فعلا «غير» لأنه عرى الفساد في الخدمات قبل أن يُعري الشوارع الهشة المختنقة في شبر ماء.
أمطارنا"غير" وميزانيتنا "غير"
سالمة الموشي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
