محمد خضر الغامدي خرج من أبها الجنوب بنصف سعادة، صفر اليدين إلا من صندوق صغير، بداخله بعض الكتب الشعرية، ودفتر كتب فيه بعض ذكريات هواء القرية ولون الجبال التي كانت تحميه من الضياع وضحكات الفتيات وهن يركلن حبات البرد، وبعض النصوص التي يُطلق عليها؛ نصوص شعرية، وذكريات لا تمحى من الذاكرة، وفي جيبه تفاحة واحدة.
كان هدفه أن يكون تحت غيمة المنطقة الشرقية، التي انسلت منها سماوات ليست في كل مكان، ومرت السنوات فأصبح الغامدي شاعر الحب والألم، الذي ما زال يبحث عن النص الذي لم يكتبه بعد، وعن الأنثى التي أقسم أن يبوح لها بكل أسراره وعن أسطورة عشتار.
1- كيف تقيم الحراك الثقافي في المملكة هذه الأيام؟
أي حراك ثقافي يبنى على الكم وعلى طريقة إنجازه بشكل وظيفي أو حرفي، يظل أمام عدد من التساؤلات والغربلة لمحتواه وقيمته الحقيقية، لا أنظر للأنشطة الثقافية على أنها تمثل حراكا ثقافيا، ما لم تحقق وتلمس شرائح المجتمع المختلفة، وتستطيع أن تغير وتبدل وتقترح الخيارات وتسهم في الاستمرارية وطرح الأسئلة، وهذا لا يحدث كثيرا، سنعثر على أشكال وأدوار يؤديها مثقف ما أو مهتم، لأنه ينطلق من مؤسسة ثقافية أو ملتقى ثقافي، وهنا يدخل في إشكالات المنجز الذي يريد الحفاظ على المؤسسة مثلا وبين التطلع الذاتي والحر الذي ينطلق من رؤيا ثقافية.
2- في رأيك أين يقع المثقف السعودي على خارطة الثقافة العربية؟
لا أميل لتسمية مثقف ما باسم بلد محدد، أظن أن هذا سيضيق علينا تعريف المثقف مجددا، وقضايا أخرى لها علاقة بالهوية وأسئلتها كذلك، مع ذلك أقول إن المثقف السعودي ينطلق هو الآخر من إشكالات تحمل خصوصية المكان وأسئلته الحساسة، التي تعنيه وحده، ومن هنا يمكن قبول هذا التخصيص الذي يفضي إلى اجتراح تلك الأسئلة ومعرفة مكانه تماما، والذي يحدده تماما قيمة ما يطرح ومدى تأثيره، لن نقول ضمن آليات وظروف الآخرين بل ضمن امتداد السياق الذي يلتقي فيه كل مثقف وضمن معطى مكانه ما دام الأمر مخصصا.
3- هل تعتقد أن ما يسمى بالربيع العربي قد غير مفهوم المثقف وأسقط الأقنعة عن بعض المثقفين؟
نعم أعتقد ذلك، بل وبدا أن كثيرا من المثقفين يعيشون خارج لحظات التحول واستيعاب ما يمكن أن تسفر عنه موجة الربيع العربي، وذلك لحساب أفكار محددة عشعشت في رؤوسهم وضمن أزمنة من القمع والاستلاب، وهذا ما تولد في عالمنا العربي، «مثقف منهزم ورجعي ومتناقض بين فترة وأخرى»، ومع الزمن تضاءل دوره، بل أصبح مجرد كناية عن قارئ جيد، أو مجيد للغة وفن الكلام في أحسن الظروف، المثقف اليوم هو من يحمل ضمير الشارع والرجل البسيط والواعي الذي أسقط تلك الأقنعة.
4- بعض المتابعين لمواقع التواصل الاجتماعي يلاحظون في تغريدات المثقفين ميولا سياسية، هل يعد هذا تأثرا بالربيع العربي؟
عموما هذه الموجة لم ينج منها أحد، ولعل ميلهم السياسي الجديد جاء تباعا مع هذه الموجة، وأحيانا للبحث عن مواقعهم داخل هذه الخارطة والتحولات، وكفرصة للدفع بأسئلتهم أيضا، التي ظلت زمنا في حالة من الركود والثبات، كل هذا ولو من شرفة الانترنت الواسعة والضيقة في آن، عموما لا يمكن فصل المثقف السعودي كثيرا عن المثقف العربي في أيّ مكان، بما أن المثقف لا تتضمنه جغرافيا محددة بل هو بشكل أو آخر ضمن سياق عام، ويحمل نفس الأدوات والمعطيات، يختلف في إسقاط هذه الأدوات على واقعه وقضاياه، لكنه ظل مثقفا انفعاليا لحظويا وحياديا غالبا إزاء قضايا كبرى، وباحثا عن دور يؤديه في أوقات كثيرة.
5- في الآونة الأخيرة خرجت لنا مصطلحات وعناوين «إخواني وعلماني وليبرالي»، ما قراءتك؟
هذه المصطلحات والتصنيفات أيديولوجية تحولت من قيمتها إلى شكل سطحي ومجموعة من الأعراف التي أخشى أن تستمر لتصبح كما هي عليه الآن تذكرني بالكلمات التي يتحول معناها في النحت الاجتماعي اللغوي، حيث تصبح كلمة زبدة مثلا هي كلمة باختصار، واليوم يشار إلى من يجيء بفكرة مختلفة عن السائد الاجتماعي، أو من يطرح سؤالا جدليا بأنه علماني أو ليبرالي، وكذلك الأمر مع بقية المسميات حسب الدرس المعطى نحو هذه المصطلحات، وأنا على ثقة أن الأمر مرتبط بالوعي والنضج حتى لا يصبح أي مصطلح تصنيفي تهمة أو شتيمة أحيانا وهذا المضحك في الأمر.
6- أين ترى نفسك في الشعر أم الرواية؟
استخدم المظلة تحت المطر، لكنها ليست مجدية تماما مع العاصفة، ليست ورطة تماما وليس انتقالا من الشعر إلى الرواية، ما يحدث هو أن الكتابة الإبداعية لا يستطيع أي كاتب في لحظة ما أن يشترطها أو يقنن فضاءاتها، وبالتالي لا أعرف هل هو انتقال أو تجربة أخرى ذات عوالم فنية مختلفة، أتحدث عن العوالم، لأن الشعر لدي لم يكن بعيدا عن لغة السرد بل كتب في مجموعات شعرية لديّ بلغة السرد، أعني لغة أن تكون هناك رؤية تخصني شعريا، فأنا لست ملتزما بتجارب أخرى ولا بأنواع أو تصنيفات شعرية، أعتقد أن القراء مثلا، هم من يحددون النجاح من عدمه في مجمل ما نكتب، وأيضا مدى الرضا الشخصي عمّا نكتب.
أما هذا النص الروائي الوحيد الذي كتبته فظل حبيسا داخلي لزمن طويل، ولكني لم أكتبه إلا بعد قرابة ثمانية أعوام، بمعنى أن له أزمنة عدّة في داخلي فقد تأملته طويلا، وهذا ما جعله نصا مكثفا في نهاية الأمر، أمر آخر وهو أن فضاء تجربتي الشعرية، وبرغم احتفائه بالتفاصيل والعابر والمهمش، إلا أنه لم يكن القالب الذي يستوعب التفاصيل الدقيقة.
7- ماذا عن الرقيب على الإبداع في ظل الانفتاح المعرفي والانترنت؟
الرقيب والإبداع حالة خاضعة لثقافة المكان، متغيرة حسب تغير ذلك المقص، ومدى وعيه واستيعابه وتواؤمه مع الإبداع ومساحة حرية الرأي، والمبدع بوسعه غالبا وبما يملك من قدرة لغوية ورؤية ومجاز أن يمرّر ما يريد، أتذكر في أولى صفحات كتاب أدبيات لورنس العرب بعد أن أعيد بدون حذف عبارة جميلة قرأتها «إن هذه القصائد تكافح لكي تقول شيئا قد يستغرق من المرء عشرين عاما ليكون قادرا على قوله مباشرة»، واليوم مع هذا الانفتاح الالكتروني وفضاء الانترنت أجد المبدع أقل تحرزا من مسألة الرقيب وبعيدا عن ملعبه الذي عادة ما تفرضه ثقافة المجتمع المتواضعة غالبا أدبيا والسلطة بكل أنواعها.

