في تراثنا المختلط خيره بشره يحدث أن يُعجز أحدهم طفلا صغيرا بأن يَعِدُه بتنفيذ شيء عزيز على طفولته، بشرط أن يكون ذلك «متى ما حجت البقرة على قرونها»!والطفل المسكين صفحة بيضاء، ديدنه الصدق والثقة بما يقوله الكبار، فيظل سنين يفكر ويتعشم، ويدبر، ويتخيل، ويكتئب، وهو ينتظر تحقق هذا اللغز المعجزة.
ومع خطوات نموه في العمر تتفتح له زهور المعرفة، ويعرف أن القرون ليست وسيلة للمشي، خصوصا لبقرة ثقيلة الوزن، وأنه لا يمكن أن تستقر على قرنيها مهما عملت من حمية نباتية، ومهما تدربت جسديا لتصبح بطلة حزام أصفر، ومهما دخلت في دورات لتعلم الطاقة والبرمجة و»الشكرات»، ونالت شهادة وهمية تجعلها مدربة، وترفعها فوق هام الوهم.
ثم ينمو الطفل أكثر فيعرف أن الحج ليس مفروضا على البقرة، وأنها لو فكرت ولو مجرد تفكير بدخول مناطق المناسك، فلن تلبث أن تصبح أضحية، قبل أن تنتهي بها مناسك الحج.
مسكين هذا الطفل، الذي دخل إلى المراهقة ومشارف الشباب، وهو ما يزال يفكر في حل لهذا اللغز الصعب المستغرب في صحوه ومنامه، حتى إن دفاتره وكتبه كانت متكدسة برسوم بقرات تطير، وأخرى تثني قرونها على شكل عجلات!ويتطلع للعالم الخارجي، ولأبقار الدول المتقدمة، ويتفكر ويسأل، فهل يا ترى لديهم تقنية جينية تمكن البقر من ذلك، أم إنهم (حتى هم) لم يستطيعوا فك رموز هذا اللغز، فأخذوا يسلون أنفسهم بغزو الفضاء؟ويكبر الشاب، ويدخل في معمعة المعيشة، من هموم صغيرة وكبيرة، ومن طموح بوظيفة، ومن زواج وإنجاب، وتربية وتعليم لأبنائه، وهو ما يزال يبحث في جوفه عن الحل، الذي ورطه فيه مجتمعه الغريب بالبحث عن الإحباط أينما حل.
ويكبر أبناؤه ويتزوجون، ويساعدهم بكل قدراته، لامتلاك ما لم يتمكن هو من امتلاكه في حياته الماضية.
وتتقدم به السن، وهو يتماوج في روتينية الحياة، وفي مصاعبها التي تزداد وتتقلص حسب الظروف، التي تحيله إلى كهل وهن ينظر خلفه فلا يجد الكثير.
ويزداد تردده، فهل يترك لأبنائه كامل إرثه بخيره وشره، أم يحمل بعضه معه في آخرته، فلا يثقل كواهلهم بأحماله، التي أوهنت عزيمته، وخنقته في مسار متعرج وهمي خائف متردد؟نعم، سيصمت وهو يعبر للنهاية، ولن يذكر في وصيته لغزه العجيب، والذي شغله طوال عمره، اللغز الذي لولاه لكان قد نظر إلى الأبعد، ومر من ممرات أفسح، وعشق أشياء مختلفة في مساره، ولكان صمم أسسا أعمق، وبنى الأجمل، ولكان أنتج وأثمر أكثر، ولقدم للبشرية شيئا أعظم مردودا من لغز ليس له حل.
نعم لا شك أنه يفضل أن يموت دون أن يشغل به أبناءه المساكين.
وتعود به الذكريات، فهل تراه سأل أحدا منهم عن الحل ولو بالمزاح؟ فلربما أنه قد أورثه له، دون أن يدري!
الحج على القرون
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
