لا يشك أحد في الثقل الذي تمثله المملكة العربية السعودية في المشهد المحلي والإقليمي والعالمي، والذي يتمثل في وزنها السياسي المؤثر واقتصادها الكبير ورمزيتها الشرعية والدينية ومساحتها وموقعها الجغرافي، ومن لاحظ حجم الحضور الدولي في التعزية في خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، سيدرك أن هذا الدور ما زال حاضرا وبقوة، وأن هذا الكيان الكبير يلعب دورا مهما على جميع الأصعدة، ومن هذه الجهة فإن استثمار هذه المكانة والتأثير يمكن أن يذهب إلى مداه الأبعد حين نمضي جميعا في اكتشاف وقراءة مواضع قوتنا وكيفية استثمارها لصالح شعبنا ومستقبلنا وقيمنا التي نؤمن بها.
وهذه المرحلة مناسبة جدا لإعادة تجديد وصياغة حركة المملكة باتجاه مستقبلها مع حركة التشكل الهائلة التي تمر بها المنطقة من حولها، والملفات التي يمكن أن يطالها النظر حينئذ كثيرة جدا وممتدة من الداخل المحلي إلى الصعيد الدولي، ولا تفي بها دراسات مطولة متخصصة فضلا عن أن يتحقق ذلك بمقال قصير، وحسبي هنا أن أتمنى أن نشهد حركة مراجعة واسعة لواقعنا ونقاط قوتنا وضعفنا وأن نعيد صياغة خططنا باتجاه مستقبلنا بكل شفافية ووضوح، ولو لم يكن ذلك إلا استجابة لحركة التاريخ الطبيعية التي لا تسمح لأحد بالتوقف لكان محتما، فكيف ونحن نعاني فعلا من مشكلات في عدد كبير من الجوانب.
لا يمنعنا مانع في هذه البلاد التي حباها الله بكل عناصر القوة وأكرمها بهذه الوحدة واللحمة الداخلية، ورزقها استقرارا سياسيا من أن ننهض لدور أكبر وأعظم وأكمل تأثيرا وحضورا ورفاها لنا ولأمتنا من حولنا.
إن تاريخ الدول المؤثرة في واقع اليوم مر بمحطات نهوض جاد وضعت فيه المشكلات على مشارط التشريح ومصحات العلاج، وحلقت فيه الأفكار والطموحات في حدود الإمكانات والقدرات القائمة والمأمولة ونهض الصادقون من أبنائها بعبء المسؤولية فكانت بعد ذلك شيئا مختلفا عن ذي قبل فسبقت واقعها وألقت بتخلفها وراء ظهرها وهي تنطلق إلى المستقبل بقوة وثبات.
إن الطموحات التي يظللها استقرار سياسي توافقي، واقتصاد متنوع ناهض، ولحمة اجتماعية أصيلة، وإطار قانوني عادل، ويزينها عمق شرعي وتاريخي ستصبح واقعا ملموسا في غد قريب بإذن الله، إذا وكلت للصادقين المخلصين من أهل الاختصاص والأمانة، ووقفت خلفهم كل مؤسسات الدولة مساندة ومعينة، وإلى غد مشرق بإذن الله.