يُحكى أن أبا شاهد سباق الخيل في التلفاز. فقال لابنه وهو ينصحه (شوف يا ولدي الحمير الّلي درستْ). لا ينبغي أن نستهين بما يمكن أن تنبئنا به نُكْتة كهذه؛ فالنكتة «لغة» شعبيّة تمثل إنجاز الشعب من الفكر. لذلك سوف أهتدي بهذه النكتة. أو كما يقال سأفحص حس الناس الفكاهي؛ لكي لا أغمط حق حس المجتمع الفكاهي العميق الذي يتأبى على الترجمة إلى مصطلح مجرد.
في البداية هناك الحمار الذي له صورة في المخيال الشعبي تحدث بها الحمار نفسه في إحدى حكايات ألف ليلة وليلة. يقول الحمار: بدهائه يصنع الإنسان بردعة ليضعها على ظهري. وحزاما يشده على بطني، ثم يركبني، فإذا عثرت لعنني، وإذا نهقت شتمني، وإذا كبرت باعني إلى إنسان آخر هو السقّاء؛ كي أحمل الماء إلى البيوت وإذا عجزت ذبحني السقاء ورماني للكلاب.
في مقابل الحمار هناك الخيل التي يعيد المخيال الشعبي أصلها إلى دعوة إسماعيل حين كانت الخيول وحوشا لا تركب فدعا الله أن يسخرها له، فكان إسماعيل أول من ركبها. وقد تفنن المخيال في نسب الخيل، حيث أهدى النبي سليمان العماليق فرسا تدعى زاد الركب، وولد لهذا الهُجَيْسي الأجود من أبيه، وولد لهذا بدوره الفرس الديناري فكان بدوره أجود من أبيه.
لكن النّكتة تشير إلى أن الخيل لا يولد خيلا إنما يصير إليه. فقد كان حمارا وكان بإمكانه أن يبقى حمارا يركبه الإنسان، ويلعنه، ثم يبيعه بعد أن يكون استنفد طاقته. لو أن الحمار ثابر لكان خيلا. تختزل المثابرة عند الأب في كلمة واحدة هي التعليم الذي رفعه إلى أن يكون خيلا.
يشرح الحصان رؤيا الأب للأفضل لابنه مثلما يشرح الحمار الأسوأ له؛ فأن يصل ابنه إلى شيء ذي قيمة فإن ذلك يتطلب مجهودا منه. وأي إنجاز ذي شأن لا بد من أن يكون نتاج كفاح مستمر، وعمل مجهد. في قلب هذه النكتة المضْحكة فكرة بسيطة جدا ومهمة جدا في آن وهي أن تغيّر الإنسان سيرورة متراكمة يشد بعضها بعضا. أن نكون عاديين، أمر عادي يجب ألا يشعرنا بالهلع، لكن يجب أن نتألم لأننا نرى الفرق بين ما نحن عليه، وبين الصورة المثالية التي نريدها لأنفسنا.
معاناة الحمار ليست كافية لأن تجعل منه خيلا. وكذلك معاناة البشر ليست كافية أن تجعل منهم أناسا مختلفين. التحدي هو أن يتخذ الإنسان رد فعل تجاه معاناته. أن يتعلم فهو الطريق الملكي لكي يتغلب به الإنسان على ظروف الحياة، ويعيش معافى وهانئا وسعيدا.
إذا ما أردت أن أتابع هذا التأمل في نكتة تجعل من الخيل ما صار إليه، فإن الخيل قد تكون رمزا للانتقال من طبقة إلى طبقة. أو على الأقل تحسّن طرق عيش الفرد. وإذا ما غضضنا النظر عن الرمز الأرستقراطي الذي يتخذه الخيل عند الأمراء والأثرياء جدا فإن البرجوازيين -بمعنى ما– هم أيضا يكونون مزارعهم الخاصة للخيول، ولقد عرفت كثيرا من هؤلاء بعضهم من المشرفين والمديرين والمعلمين ذوي الأصول الفقيرة التي أخرجتهم المدرسة من فقرهم.
ماذا يعني هذا لموضوعي؟ نظريا؛ يعني أن المدرسة هي المكان الذي يمكن أن يساعد الفرد على أن يترقى اجتماعيا. إذا ما تعلم الفرد ونجح يمكن أن يندمج مع الأستقراطيين، أو في البرجوازية الراقية، أو يكون قريبا من الشريحة الحاكمة أو أحد أفرادها. لكن هذا الفرد لا يستطيع أن يقدم على المجد والثروة اللذين يرمز إليهما الخيل إلا اعتمادا على درجة تعلّمه في المدرسة.
لنر ما يحدث في مدرستنا الآن. يشير تحليل نتائج اختبارات الثانوية العامة في إحدى محافظات المملكة إلى نسب –زودني بها الأستاذ سعيد عبدالفتاح من دراسة له غير منشورة- تؤكد تدني متوسط الدرجات؛ فمتوسط درجات مواد القسم العلمي كالتالي: الرياضيات (9 من 30)، اللغة الانجليزية (15 من 30). وفي الكيمياء والفيزياء (15 من 30)، وفي الأحياء (19 من 30) وفي الجيولوجيا (17 من 30). أما مواد القسم الشرعي فكانت كالتالي: اللغة الانجليزية (8 من 30 ) وفي النحو والصرف ( 14 من 30 ) أما البلاغة والنقد فكان المتوسط (15 من 30).
ماذا يعني هذا؟ من منظور الدراسات المتعلقة بعلاقة التعليم بالاستبعاد الاجتماعي في المجتمع فإن تدني نتائج الاختبارات المدرسية خلال مرحلة التعليم الإلزامي أقوى مؤشرات مرحلة الطفولة على سوء العاقبة عند البلوغ. كما أن التحصيل الدراسي يرتبط ارتباطا قويا بالبطالة والدخل ويمكن القول بوجه عام إن معدلات البطالة تنخفض بارتفاع مستوى التحصيل الدراسي. إذن ومن منظور هذه الدراسة فإن خريجي هذه المحافظة معرضون للخطر في مستقبل حياتهم.
لنرَ ما يترتب على متوسط درجاتهم في مادة الرياضيات (9 من 30). لقد أوضحت إحدى الدراسات التتبعية أن عدد الذكور ذوي المهارات الحسابية شديدة الانخفاض حصلوا على أجور منخفضة، وأن عددهم بلغ ضعف عدد أفراد الجماعة ذات المهارات الحسابية الأعلى. ومن منظور هذه الدراسة فإن طلاب هذه المحافظة معرضون لخطر البطالة أو تدني مستوى العيش أو الفقر.
أكثر من هذا. وإذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة التي تربط بين نتائج الاختبارات وبين الضعف في المهارات الأساسية، واستنادا إلى نتائج دراسات عديدة فان خريجي هذه المحافظة معرضون لآثار أخرى، فقد أوضحت الدراسات أن ثلث أصحاب المهارات الأساسية شديدة الضعف لم يستطيعوا تملك المسكن الذي يقيمون فيه، وأن هناك علاقة بين التحصيل الدراسي وتدهور الصحة العامة.
إننا إذا أخذنا في الاعتبار نتائج الاختبارات الوزارية أعلاه، وإذا ما اعتبرناها عينة يمكن قياس المناطق الأخرى عليها يصبح من الأمور التي تبعث على القلق ضعف سجل الخريجين في مستوى المهارات الأساسية. وهذا ما يدفع فعلا إلى التفكير جديا في إعادة بناء المدرسة السعودية.