زرت مدينة دبي للاطلاع بنفسي على ما يقوله الناس، وللوقوف على سر افتتانهم بها، فوجدتها مدينة بلا روح وبلا هوية، حتى ظننت نفسي في أحد الجزر الصينية. وجدت أمامي غابات من الإسمنت شمخت على الشوارع الرئيسية لتمنع الرؤية الطبيعية، وتزين دبي ليلاً وقد همشت المعمار العربي والإسلامي، وأصبحت دبي كأنها مدينة إسمنتية تولد حرارة زيادة على حرارتها الطبيعية.
وعادة مدن الحضارة الإسمنتية تحول الناس إلى مرضى نفسيين، وهذا ما لمسته وشعرت به عندما تحدثت متسائلا إلى الكثير من سكان دبي العاملين هناك والذين يعدونها كمصدر رزق. فقال لي كثيرون إنها الحاجة إلى العمل. إن أهم ما يميز الحضارة الإسلامية وعمارتها أنها تتناسب وتتناسق مع الظروف الإنسانية والاجتماعية والمناخية وخدماتها المحلية. إن من صمم وخطط ونظم دبي إنما كان هدفه إزالة هويتها العربية وإلغاء ماضيها بكافة مقوماته ومعطياته.
صحيح أن دبي مدينة مخططة ومنظمة وحيوية ومستعدة جيداً لاستقبال المستقبل بروح عصرية شامخة، وصحيح أن بها إدارة عصرية تسير عبر معطيات ذات جدارة وبصيرة، وربما هي المدينة العربية الوحيدة المنتفخة والمزودة بكافة الخدمات العامة وغيرها، التي تسهم وتساعد على قيام أركان التنمية الاقتصادية والصناعية والتجارية. وفعلا من حقها أن تطالب بالدخول للعالم الأول فهي جديرة بهذا الاستحقاق ومن حقها أن تحجز مكانها هناك.
والأمر اللافت للنظر أن مدينة دبي القديمة لم تحظ بنفس الاهتمام والتوجه الذي حظيت به دبي الحديثة. فلقد مشيت فوق شوارع ترابية، وشاهدت عمرانا قديما ومتهالكا وغير منظم. وهذا خطأ كبير وقع فيه المخططون لدبي. وأعتقد أنه لو تم إجراء محاولة استقصاء لعرض الأدلة الواقعية لهذه المدينة الفخمة بما بها من خدمات عامة راقية، فسيظل السؤال: أين محاولات الإعداد للواجب الوطني والمسؤولية الأسرية التي ينبغي لإدارة دبي القيام بها؟.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.
دبي
زهير كتبي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
