عندما ترى أنهار الدم تسيل في الشوارع، وتشاهد عبر الشاشات صور القتل والدمار في أرجاء الأرض، وحينما تصحو على خبر لبواخر وسفن عملاقة تحمل طائرات وتمخر البحار والمحيطات، وتسمع عن أسلحة لم يعرفها البشر قديما تقتل عشرات الألوف في بضع دقائق، حينما تشاهد كل ذلك يحق لك أن تسأل نفسك: هل أكون ذئباً أم حملاً؟ هل أصدق خدعة السلام العالمي؟ وهل هناك مكان للضعفاء بين الوحوش الضارية؟ وهل بإمكانك صناعة حضارة بدون قوة فاتكة تحمي بها نفسك وحضارتك؟.
تخيلتُ هذه المشاهد والأسئلة وأنا أراقب أحدث وأكبر مناورات سعودية باسم «سيف عبدالله» وقد جمعت أكثر من مئة ألف من مختلف القطاعات العسكرية حيث طائرات تقذف من السماء وصواريخ تنطلق من الأرض ودبابات تقذف حمم الموت ورجال يجعلون صدورهم ونحورهم فداء لنا لكي نعيش بسلام جميعاً، تمنيت أن يشاهد الناس هذا العرض عياناً في كل منطقة أو مدينة سعودية، وأن تكون هناك مسيرات عسكرية يراها الجميع لكي نعرف نعمة الأمن، وندرك قيمة الجهد الذي يلاقيه أولئك الأسود والصقور من رجالنا الأبطال الذين ننام وهم يسهرون من أجل مقدساتنا وأطفالنا وبلدنا.
كم هو مبهج أن تشاهد الجماهير جيوشها وتهتف فرحاً وطرباً لها، وأن ترى الأطفال يفتخرون برؤيتهم أو يلتقطوا معهم صوراً تذكارية فيقلدوا هؤلاء الأسود والرجال في لبسهم ومشيتهم وطريقة تحيتهم.
ولماذا نحب الجيوش؟، إنه منذ أن خلق الله الأرض جعلها قائمة على الصراع والاختلاف، ولا يمكن تخيل المدينة الناعمة والفاضلة إلا في أحلام الفلاسفة والروائيين، قال ربنا «ولا يزالون مختلفين» وعندما بعث الله أنبياءه أنزل معهم الكتاب والميزان وأنزل الحديد فيه بأس شديد، وقد قال كثير من المفسرين إن الحديد هنا كناية عن السلاح والقوة وهو ما يحتاجه أي إنسان يريد أن يبني حضارة أو يصنع أمة.
لا يختلف اثنان أن من شروط رقي الحضارات والأمم هو أن يكون لديها يد بانية ويد حامية، ولابد أن تعترف سواعد البناء بفضل سواعد الحماية، فهي تاج للمجتمع الكبير الذي نشترك في العيش في ظله.
ليس هناك تعارض بين أن تكون سلمياً وأن يكون لديك جيش فاتك، فالسلم له أهله ورجاله، وللحرب أهلها ورجالها، فمن صافحنا باليمن مددنا له يدنا ومعها هدية باذخة، ومن حاول أن يمد يده ليعبث ببلد الحرمين وجد من يقطع يده ويجعله عبرة لغيره.
وليس غريباً أن يكون لنا أعداء من كل جانب، فنحن في بلد تحتضن الحرمين أشرف بقاع الأرض وقبلة المسلمين، ويعيش على ثراها العرب الأشاوس الذين نزل القرآن بلغتهم، ونبع من أرضهم النفط الذي وهبهم الله إياه وحرم أمماً منه، ليس غريباً أن نعيش مع أعداء يخالفوننا العقيدة والدين، وأعداء يطمعون في ثروات وكنوز نتمتع بها، وأعداء يرون وحدتنا وتآلفنا ويريدون تمزيق كل ذلك، ليس غريباً أن يكون لنا خصوم، فالحسد والحقد والتنافس أدواء دفينة ظهرت مع أول حالة قتل للبشر بين الأبناء الأوائل لأبينا آدم.
لقد عاشت الأرض وما زالت تعيش وستبقى تعيش سُنّة الصراع والتدافع، والعاقل من استفاد من هذه السنة الكونية، فجعل من نفسه حصناً للأخلاق، وناشراً للفضيلة، وداعية للخير، ومدافعاً عن حقوق الناس، وحامياً لحياضه من مكر الثعالب وعداوة السباع، وليس العاقل من أمن مكر خصومه أو ظن أن الأرض نزعت منها العداوة والبغضاء وأن الصراع ولى زمنه.
وصدق ربنا في كتابه إذ يقول «ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا»، فهناك خصوم لنا لم ولن يتوقفوا عن الكيد والمكر والحرب للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.