لا يختلف اثنان على أهمية التنمية البشرية، إذ إن نجاح المؤسسات في أداء رسالتها والقيام بدورها يعتمد على إيجاد أفضل العناصر البشرية المؤهلة، فالفرد هو أساس أي نشاط تنموي، والعنصر البشري بشكل عام يجب أن يمتلك القدرة الكافية للقيام بمهامه الوظيفية، ويتأتى ذلك من خلال التدريب والتأهيل على مهام وطبيعة الوظيفة لكل المهن وفي كافة المنشآت المختلفة سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وتنبع أهمية الموارد البشرية في الإدارة من كونها أهم العناصر التي تسهم في العملية الإنتاجية، فلا بد من توفر الكفاءات الجيدة القادرة على الأداء والعطاء المتميز، ليكون أداء الجهة أو المنشأة متميزا أيضا، وعلى هذا الأساس فإن وظيفة الموارد البشرية في أي منشأة تهدف إلى تحسين درجة الملاءمة بين الأفراد والوظائف التي يعملون بها، وكلما كان اختيار العاملين مبنيا على هذه المعايير كان الأداء صحيحا ومتميزا أيضا.
إلا أن بعض الجهات الحكومية لا تهتم بهذه المسألة ولا تعيرها أي اهتمام، خاصة تلك الجهات التي لنشاطها علاقة مباشرة بجمهور المتعاملين من المواطنين أو المقيمين، إذ تكتفي عند التعيين بتوفر شروط عامة لشغل الوظيفة فقط من دون التركيز على الكفاءة والمقدرة والفهم التي يجب توافرها في من يشغل هذه الوظيفة أو تلك، وغني عن القول أن كثير من الوظائف تتشابه وتشترك مع بعضها من حيث شروط التعيين، والمؤهلات المطلوبة للتعيين عليها، إلا أن الصفات الشخصية تختلف من شخص لآخر وكذلك المهام الوظيفية تختلف من وظيفة لأخرى، مما يعني ضرورة الاختيار الأمثل وفقا لطبيعة الوظيفة ومؤهلات ومهارات الشخص الذي يشغلها.
ومن الشواهد التي أسوقها على سوء الاختيار ما ذكره لي أحد الاصدقاء العرب المقيمين في المملكة حيث قُدر له أن ينشأ نزاع بينه وبين كفيله حول حقوق وظيفية تعذر عليه الوصول مع كفيله إلى تسويتها بشكل ودي مرض، مما اضطره إلى أن يتقدم بشكوى لمكتب العمل في إحدى مدن المملكة، ومن سوء حظ صديقي هذا أنه اعتمد على الثقة في كفيله ولم يبرم معه عقدا يحدد طبيعة وظيفته والمهام المطلوبة منه، ولا الأجر المتفق عليه، وما إلى هنالك من حقوق وواجبات لكل من الطرفين، ليفاجأ عندما تقدم بالشكوى برد الموظف المختص في مكتب الصلح بأن قضيته لن تقبل لعدم وجود عقد مكتوب يؤكد لهذا الموظف بأن هذا الرجل عمل تحت إشراف وإمرة كفيله، وأنه لم يعمل لدى أحد غيره، فأسقط في يد صديقي وضاقت به الأرض بما رحبت، فلم تفلح كل محاولاته في إقناع هذا الموظف بأنه يعمل لدى كفيله، وأن لديه من الإثباتات ما يؤكد وبما لا يدع مجالا للشك في عمله لدى كفيله، إلا أن كل محاولاته ذهبت سدى.
وهنا أود أن أشير إلى أن نظام العمل السعودي أشار في المادة الواحدة والخمسين إلى أن عقد العمل يعد مكتوبا حتى لو لم يكتب وأن للعامل وحده حق إثبات عقده بكافة طرق الإثبات، وأشار نظام العمل أيضا في مادته السابعة والثلاثين إلى أنه إذا خلا العقد من بيان مدته تعد مدة رخصة العمل هي مدة العقد، وقد أحسن المنظم السعودي فعلا بإيراد هذه النصوص التي جاءت لتتفق وطبيعة نظام العمل الحمائية، والتي أكد عليها نظام العمل السعودي في مادته الثامنة التي أبطلت كل شرط يخالف أحكام النظام ويبطل كل إبراء أو مصالحة عن الحقوق الناشئة للعامل بموجب أحكام النظام أثناء سريان عقد العمل ما لم يكن أكثر فائدة للعامل.
والسؤال المطروح هنا: هل هذا الموظف يعلم بهذه النصوص وما تضمنته من أحكام؟ وهل يعلم عن طبيعة نظام العمل الحمائية وكيفية إعمالها؟ وهل وجوده في هذا المكان (إن كان لا يعلم) وتكليفه بالنظر في مظالم الناس ومطالباتهم مسؤوليته؟ أم مسؤولية من كلفه بهذا العمل؟ وبطبيعة الحال فإن الجواب على هذا السؤال هو: إن هذا الموظف لا يعلم بما تضمنه النظام من أحكام. لأنه لو كان يعلم لما كانت تلك إجابته لمن لجأ إلى مكتب العمل طلبا لحماية أوجبها النظام. وبطبيعة الحال فإن مسؤولية من جعله في هذا المكان من دون أن يتأكد من تأهيله وقبل ذلك من فهمه وقدرته على القيام بمهام هذه الوظيفة بشكل صحيح تتأكد بشكل أكبر، ويشترك معه الموظف في هذه المسؤولية، إلا إن كان قيامه بذلك كان بموجب توجيه مكتوب.
نظام العمل والحماية المفقودة!!
بخيت آل غباش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
