الذي يعرف اليمن، ويدخل مساجد عاصمتها يعرف أن الذي يضم، يصلي إلى جانب من يسربل في صف واحد، وفي تناغم ديني ومذهبي غير موجود في أغلب البلدان التي توجد فيها طوائف دينية مختلفة.
لم نشهد هذا الوضع النشاز من الاضطرابات السياسية في ثوبها الطائفي إلا بعد أن جاء حسين الحوثي الذي بمجيئه اضطربت العلاقات المذهبية بين اليمنيين، بعد أن بدأ صوته يعلو بالطعن في الرموز الدينية الإسلامية، وبعد أن بدأ يستعير مصطلحاته السياسية من القاموس السياسي لثورة الخميني في إيران، التي كانت بحق «صاعق» انفجار الصراعات الطائفية في المنطقة برمتها، خصوصا مع إصرار الخميني على تضمين الدستور الإيراني بندا ينص على تصدير «الثورة الإسلامية»، وإصراره على اعتماد «المذهب الإمامي الاثني عشري» مذهبا رسميا للدولة، في خطوة لم يكن يقصد بها إلا تكريس طائفية نظامه، وتصدير هذه الطائفية إلى الجوار العربي.
واليوم، ومع سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وانقلابهم على نظام الرئيس عبدربه منصور هادي، أصبحوا مكشوفين بشكل لم يعد ممكنا للتقية السياسية أن تواري فيه عوارهم السياسي والأخلاقي.
الحوثية اليوم تغرق بالفعل رغم شبهة الانتصارات العسكرية التي تحققت لهم، والتي يعرف الخبير بالشأن اليمني أنها انتصارات سُهلت لهم، وأن الذي سهلها لهم يستطيع أن يحرف البوصلة، خاصة مع حالة الغضب الشعبي المتنامي ضدهم، والذي تفجر بعد استقالة الرئيس هادي، التي جاءت على إثر سيطرتهم على دار الرئاسة اليمنية، ومحاصرة الرئيس في منزله الشخصي.
ومع كل ذلك فالحوثية فقاعة صوتية. الحوثية هي الصرخة والصرخة فقط. لا فكر، لا سياسة، لا أخلاق، لا مبادئ، ولا أعراف قبلية لدى هذه الحركة التي خرجت على كل مسلمات اليمنيين الدينية والعرفية. هي مجرد صرخة فاجرة بلا حياء، صرخة بالموت الكاذب لأعداء وهميين أمريكيين وإسرائيليين، للتغطية على الأعداء الحقيقيين للحركة الذين هم اليمنيون، تماما كما يغطي الإيرانيون – الذين صنعوا هذه الحركة – على عدائهم التاريخي للعرب بالعداء المصطنع لأمريكا وإسرائيل.
لم يساورني يوما شك بأن هذه الحركة العنصرية الطائفية ستختفي، ولذا أنا لا أقلق منها، يقلقني فقط الثمن الذي يلزم دفعه لنستيقظ على عمق الكارثة التي جلبها لنا الحوثي وإخوته وأبوه.
الساسة الذين تحالفوا مع هذه الحركة، العسكريون الذين لوثوا شرفهم العسكري بمساعدتها، الكتاب والشعراء الذين حملوا المبخرة إلى داخل الكهف الذي لم ير الشمس، حيث يقبع عقل عبدالملك الحوثي، كل هؤلاء شاء حظهم التعيس أن يكونوا في ركابها في هذه اللحظة التاريخية المهترئة، والكثير منهم اليوم نادمون.
بقي أن أشير إلى أن عقيدة «الأفضلية والاصطفاء الإلهي لعرق من الأعراق»، والتي يؤمن بها الحوثي، وتلقنها بعض الأسر لأبنائها، هذه العقيدة التي يسقطها الحوثي على نفسه وأسرته، هي التي ورثتنا هذه الكارثة، وهي التي أنتجت «معلَّب المخ» هذا الذي يفخر أتباعه بأنه لم يذهب إلى مدرسة أسوة بـ«النبي الأمي» الذي لا يقرأ ولا يكتب. فهل بعد ذلك من كارثة؟!
الحوثية كارثة اليمن المعاصرة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
