السياسة أرض الممكنات، والحرب أرض المستحيل، ولهذا فلن أضيع طريقي في هذا المقال للنظر في المتغيرات التي نتوهم قراءتها على الطاولة دون الإلمام بأصابع الاستخبارات الشرقية والغربية لدول كبرى وصغرى هنا وهناك تحرك من تحت الطاولة ما كنا نظنه يركض مستقلاً فوقها، لنقرأ مثلاً أن اردوغان أصبح قريباً من إيران أكثر مما نظن.
إذاً لنترك الظنون ونقرأ الثوابت التي لا يمكن تغييرها لا بخرائط مرجفة في واشنطن ولا وعيد مفتعل في موسكو، ولنبدأ بسؤال: إيران هل هي عدو أم صديق؟ إيران ليست عدوا أو صديقا، هي جارة لن تقبل الهجرة من أرضها الفارسية، ولن نشد الرحال نحن أيضاً من أرضنا العربية، ولن يزحزحهم عن أرضهم ولا عن أرضنا سوى الرمس نستطيبه من تراب أرضنا كما يستطيبونه من ترابهم، ولن نقول كما قال المتنبي: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى.. عدواً له ما من صداقته بدُّ، فالأمر مع إيران أهون بكثير من غيرها، فإيران عضو كما نحن أعضاء في رابطة العالم الإسلامي، وشريكة لنا في أوبك، ونقاط الالتقاء بيننا تتجاوز نقاط الخلاف، ويبقى صراع النفوذ هو المحك، والنفوذ لا يكون إلا بالسياسة المرنة، وتجرع بعض الغصص. إذاً ما دور المثقف في هذا الصراع المكشوف، هل يتنفج خطاباً تعبوياً تجاوزه الزمن، أم يتحول إلى صائح بالطائفية التي تؤثر على وحدة اللحمة الوطنية وتحت لافتة من البراءة المزيفة عنوانها: إيران شيعية، ونحن أغلبية سنية، فإن حسنت النوايا بهذه الجعجعة، فما أظنها إلا صرخة مخلص أحمق يدعي النفع بما يجلب الضر، أو لئيم يعرف استجلاب الفرقة بلسان الزور الطائفي، وإلا فالعقلاء يعرفون أن تركيا السنيَّة تشتهي القسمة أيضاً في جسدنا العربي الذي تحول إلى مجرد غنيمة لك أو لأخيك أو للذئب، والسؤال: ما العمل إذا؟
عندما سافرت إلى صنعاء لمشاركة حقوقية عابرة في العام الماضي، بالإضافة إلى لقاء بعض الشخصيات الفاعلة هناك، حكى لي بعض الأصدقاء، أن إيران استقطبت مجموعة من شبيبة النخبة المثقفة المشاركة في الثورة اليمنية من كل الأطياف تقريباً لحضور مؤتمر شبابي لثوار الربيع العربي في طهران من مختلف أرجاء الوطن العربي!، وقيل أيضاً إن تركيا استضافت اجتماعات شبابية من هذا النوع، لا أعلم عن صحة هذه (القيل والقال) ولكني أفترض في سفاراتنا العلم الأكيد والتفصيلي عن مثل هذه الحكايا.
عبدالله النفيسي بقدر ما يسرف في دراما التحليل السياسي بقدر ما يشدك لسماعه، لكنه في النهاية يريد دول الخليج أن تنشغل بالبناء العسكري والتطور السياسي، لكنه تناسى سنوات طويلة من الترهل، والرياضة المفاجئة للجسد المترهل تصيبه بالسكتة، والرضا بالبدانة عجز يتوهمه البليد صحة وعافية، لكن وصفته تكاد تكرر أخطاء التعبئة التي عاشها صدام حسين في جيش لا يستطيع سوى الحرب على الآخر أو الانقلاب على نفسه، علماً بأن النفيسي يعلم علم اليقين أن عصر العولمة والحداثة الحالي لم تعد الحروب التقليدية فيه هي ميدان الفصل في المعارك، فحروب الوكالة تملأ الدنيا، والمرتزقة ينقصها فقط مالٌ تنفقه، ومُنظِّرٌ من أمثاله يعطيها قميصا ترفعه، ليتقاطر الواهمون من كل مكان، أما الثورات العربية فقد أعطت درساً للكل، أنها لا تنتظر أحزاباً معارضة لتنجبها.
تغيرات الربيع العربي لمن لم يلتفت جيداً، غيّرت وحفرت عميقاً في الوجدان العربي، لنجد السلفي التقليدي، وهو يتحدث عن تفاصيل الانتخابات التي لم يكن يفهمها، ويكفر من ينطق بها، لنراه وهو يحتال بتخريجات فقهية يحاول أن يلحق بها مفاهيم الديمقراطية للدولة الحديثة، وبعض الحكومات لا تعير اهتماماً لهذا التغير الوجداني، متناسية أن عقارب الساعة لا تعود للوراء، وللثورات جزرها وارتدادها الذي يطمئن الغافلين، أما العارفون فيتأهبون بتأهيل أنفسهم مع شعوبهم لدخول الأزمنة الجديدة، فالعربة التي يجرها حصان، لم تعد مقبولة في عصر النانو، والمسكنات تقطع الإحساس بالألم لكنها أبداً لا تعالج المرض، فبعض الدول قد تكون تجنبت قيام الثورة بداخلها من خلال إيجاد ساحة ثورية لأبنائها في بلدان مجاورة، تحت دعاوى طائفية، ولكن إلى متى تكرر أخطاءها، من أجل مكاسب آنية؟ تعض على أصابعها ندماً عليها بعد ذلك.
قامت الثورة اليمنية على الإمامية في بداية الستينات الميلادية، وعاش اليمنيون حربا تزيد على السبع سنوات ما بين جمهوريين وإماميين، لم يستطع أهلها تجاوزها حتى اتفق الكبار السعودية ومصر، رغم كل ما ظنه الأغرار أنه لا يردم بينهما، وعاشت اليمن في الجوار السعودي، أختاً شقيقة، وما زال قلبها نابضا على إيقاع مصر، ليسقط حسني فيسقط علي صالح.
ثماني سنوات وانتهت الحرب بين العراق وإيران إلى (لا شيء تقريباً)، وبقيت إيران وبقي العراق، والنصر كان حليف المرن جداً إلى درجة (إيران جيت)، أكثر من المتصلب جداً إلى درجة (احتلال الكويت).
فهل إيران بعيدة عن جاراتها في كل دول الخليج كما يظن البعض؟، ليكون لهم موقف مضاد وموحد مثلاً من مشاركة إيران في مؤتمر جنيف لبحث الوضع في سوريا؟، أم أنه كما ذكرت (مديرة مركز آسيا والشرق الأوسط بموسكو يلينا سوبونينا خلال جولتها الأخيرة في الشرق الأوسط حيث أكد لها بالإضافة إلى عُمَان وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الصباح وآخرون أنه ليس لديهم مشكلة مع مشاركة إيران، بل العقبة الرئيسة تتعلق بموقف السعودية).
يحكى أن رجلاً ممن تفرس فيه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه حسن النظر، طلبه ليكون مستشاره فقال له: أكون مستشاراً كالصديق، لا مستشاراً كالتابع الذي لا يجيد سوى ترديد (الشيوخ أبخص)، فقال له: لك ذلك على أن تعاهدني بأن تعادي من أعادي وتصاحب من أصاحب، فقال هذا الرجل: أيها الملك الصالح، المستشار الصادق لا يعطي وعوداً يمنحها رجال الحرب لقائدهم، ولكنه يعطي وعد المستشار السياسي لصاحبه الملك، فقال له الملك عبدالعزيز رحمه الله: هات ما عندك فقال الرجل: لك عليَّ عهدٌ أن أصاحب عدوك حتى أعرفه حق المعرفة فآتي به لك صديقاً وحليفاً، فالملوك ليسوا بحاجة لمن يكثِّر أعداءهم، وواجب رجال سياستك تحويل الأعداء لأصدقاء، أما رجال حربك فلهم مقام لا أجاريهم فيه، وجنب الله شعب جلالتكم الاضطرار إليه.
[email protected]