حينما انتشرت خدمة الانترنت لم يكن متوقعا أن يكون لها هذا التأثير الكبير في تغيير سياسات الدول، ولم يكن متوقعاً أن تثار المجتمعات بهذه السرعة وهذه البساطة، ولم تكن تخشى الحكومات هذه الخدمة التي تسللت إلى كل المنازل والهواتف المحمولة بسرعة البرق ليصبح التواصل بين ملايين المستخدمين غاية في السرعة والسهولة ونشر الخبر.
الثورة في مصر كانت شرارتها الأولى من خلال الانترنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تهتم القيادة في وقتها لهذا الأمر بل إنها استبعدت ما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي من قائمة أعمالها لتصحيح الوضع في مصر، وخلال أيام قليلة قامت الثورة، وحينها أيقنت القيادة بخطورة الموقف، وأوقفت خدمة الانترنت ولكن بعد أن خرجت الثورة من الانترنت إلى الشارع.
الإعلام الجديد اليوم ألغى مفهوم التكتم على الأحداث، وأصبح نشر الخبر غاية في السرعة والسهولة لملايين المستخدمين، وهنا تأتي أهمية هذه التقنية، حيث يستطيع المستخدم التصوير باستخدام جهازه وبث الصورة أو الفيديو ليصل خلال لحظات إلى الملايين بدون أن تمرّ هذه الصورة أو الفيديو على مقص الرقيب.
تغير شكل الإعلام وتبدلت الطريقة التي يبث بها الخبر وأصبح الخبر ينتشر بسرعة فائقة وقت حدوثه ليصل إلى الجميع بدون استثناء ولكن الشيء الذي لم يتغير هو فهم القيادات لهذه التقنية والاستفادة منها بشكل صحيح للتأثير على الملايين.
هناك حكومات استفادت من هذه التقنيات الحديثة وطوعتها لتنفيذ استراتيجياتها، وحكومات ما زالت ضد هذا الإعلام وتحاربه مغردة خارج السرب، حتى على مستوى الوزارات والوزراء، فغالبية الوزراء في المملكة لم يستفيدوا من هذا الإعلام إما لعدم اقتناعهم أو لخوفهم من المواجهة المباشرة، والقليل منهم فعّل هذه التقنيات بشكل ذكي ليتواصل مع الجمهور ويكسب ثقته ليستطيع مواصلة أعمال وزارته بدعم من الجمهور. وزير التجارة والصناعة د. توفيق الربيعة -مثلاً- استطاع خلال فترة زمنية قياسية أن يكسب ثقة وتعاطف الكثيرين من خلال تواصله المستمر وتفاعله عبر حسابه في تويتر، وهذا التفاعل والشفافية والوضوح الذي يتوازى مع إنجازات وزارته جعله ناجحاً وذا شعبية كبيرة، وجعل المواطن مدافعاً وشريكاً له في وزارته، وأيضاً وزير العمل ووزير الصحة المكلف المهندس عادل فقيه الذي مارس نفس الأسلوب وكسب ثقة الجمهور والقيادة من خلال إطلالته الدائمة عبر حسابه في تويتر ومؤتمراته الصحفية الدورية بهدف إبراز إنجازات وزارته وجعل المواطن شريك في هذه الإنجازات المتوالية، هذه الشفافية وهذا التواصل والتفاعل مع الجمهور انعكس بشكل مباشر وإيجابي على أعمال الوزارة، ودعم هذا التفاعل والتواصل عبر تويتر بالنزول إلى الشارع والإشراف والاطلاع الشخصي، كل هذا يقوي العلاقة بين الوزير والمجتمع ويزيد من جماهيريته وبالتالي كسب ثقته وتعاطفه وجعله داعم لمشاريع الوزارة وسياساتها بدلاً من أن يكون ناقداً لها.
الشفافية والوضوح مع المواطن أصبحت اليوم مطلبا ضروريا يجب أن ينتهجه جميع القياديين لتوضيح وشرح أعمال وزاراتهم، ولا يكفي الإعلان عنها في الإعلام التقليدي، واستقبال شكاواهم بشكل مباشر والتفاعل معهم، ودحض الأقاويل والشكوك والشائعات، وبناء صورة ذهنية واقعية بعيدة عن المثاليات والفرضيات والتنظير.. كل ذلك لا يمكن تطبيقه فعلياً إلا في ظل وجود النزاهة وانعدام الفساد.