يقول المنطق إنه وفقا للأنظمة والقرارات التي أنشئت بموجبها الأجهزة الرقابية (الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ديوان المراقبة العامة، هيئة الرقابة والتحقيق)، يجب أن تكون أبواب جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة مشرعة أمام الجهات الرقابية، بما يمكنها من أداء الوظائف والمهام التي أنشئت من أجلها، لكن الواقع الذي تتحدث عنه تقارير الجهات الرقابية السنوية يؤكد عكس ذلك، ويتضمن شكاوى ربما تتفق عليها جميع الأجهزة الرقابية، تتمثل في قيام بعض الجهات الحكومية بحجب بعض البيانات والعقود لمبررات غير نظامية، والبعض الآخر من هذه الجهات لا يبدي قدراً كافياً من التعاون، ولا يقدم المستندات والعقود والمعلومات اللازمة لإجراء عمليات التدقيق والمراجعة في المواعيد النظامية، بل تجاوز الأمر ذلك كله إلى أن موظف أو عضو الجهة الرقابية أصبح غير مرحب به في بعض الأجهزة، ويقابل بمزيد من التعنت والتلكؤ في التعامل معه.
وعلى الرغم من صدور توجيهات المقام السامي الكريم إلى جميع الجهات الحكومية بالاكتفاء ببطاقات التعريف التي يحملها ممثلو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، لإثبات شخصياتهم عند قيامهم بالمهام الرسمية المكلفين بها، وهو ما يجب أن يعامل به باقي موظفي الجهات التي تمارس أدواراً رقابية، ولجوء بعض الأجهزة الرقابية إلى سياسة التنسيق المسبقة مع الوزرات المعنية قبل بدء الجولات الرقابية تلافيا لعدم تعاون مسؤولي هذه الوزرات أو الهيئات الحكومية، ولتسهيل عمل أعضائها، وضمان تزويدهم بعقود تنفيذ جميع المشروعات المعتمدة لديها، وكذلك عقود التشغيل والصيانة، وتزويدهم بما يطلبونه من وثائق أو مستندات أو أوراق ذات علاقة بأعمال الوزارة والجهات التابعة لها وكذلك الشركات والمؤسسات العاملة في تنفيذ مشروعاتها، على الرغم من كل ذلك فإن التوجيهات التي تحث على التعاون مع الأجهزة الرقابية، وما تقوم به الأجهزة الرقابية من تنسيق مسبق لم يكن كافيا في تحقيق أهدافها في الحد من تفشي الفساد بشقيه المالي والإداري، وحصولها على التعاون الكامل من قبل الجهات الحكومية، بل أسهم بشكل كبير في ضعفها عدم فاعليتها، وتفشي الفساد المالي والإداري بشكل كبير -رغم الاهتمام الحكومي الرسمي بمكافحته- كون النتائج المحققة من عمل هذه الجهات لم تكن بالمستوى المطلوب.
وتشير التقارير والدراسات إلى تزايد مستوى الفساد بشقيه المالي والإداري في المملكة وتراجع تصنيفها في تقرير منظمة الشفافية الدولية، ففي الوقت الذي نشرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» دراسة تشير فيها إلى أن 67.8 في المئة من السعوديين يرون أن الفساد المالي والإداري أصبح ظاهرة في المملكة، تراجع تصنيف المملكة في تقرير منظمة الشفافية الدولية 9 مراتب في مؤشر مدركات الفساد من المركز 57 عام 2011 إلى 66 عالمياً في 2012.
ويعود السبب في ذلك إلى ضعف دور الجهات الرقابية وتداخل اختصاصاتها ومهامها وعدم وضوحها، وعدم قدرتها على تطوير أدواتها الرقابية، والاكتفاء بالأساليب التقليدية التي لا تتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية، وعدم منحها الصلاحيات الكافية للقيام بدورها بكفاءة وفعالية، إلى جانب ضعف التشريعات والأنظمة التي تدعم دورها والقيام بواجباتها، وغموض وتقادم بعض أنظمة مكافحة الفساد الإداري وعدم مواكبتها للتطورات والتغيرات الحالية، ووجود ثغرات في بعضها، علاوة على ضعف تطبيق القوانين والأنظمة الخاصة بمكافحة الفساد الإداري.
والأسباب الواردة أعلاه لا يمكن تجاوزها من خلال الخطب والمواعظ، وإيقاظ الوازع الديني وحده، بل يتطلب ذلك إعادة صياغة استراتيجية عمل ودور الأجهزة الرقابية بما يتلاءم مع احتياجات المرحلة الحالية، ويضمن فعاليتها في تحقيق أهدافها من خلال منحها الصلاحيات الكافية للقيام بدورها بكفاءة وفعالية، ودون الحاجة إلى خطابات التنسيق المسبقة، إلى جانب صدور أوامر صريحة وواضحة بمعاقبة أي مسؤول يرفض التعاون مع موظفي وأعضاء الهيئات والأجهزة الرقابية، ووضع آلية واضحة للتنسيق بين الجهات المعنية بحماية المال العام والوظيفة العامة، وتفعيل أنظمة المراقبة والمحاسبة.
كما أن فرض عقوبات ردعة على الأنماط المسيئة والمؤدية إلى الفساد الإداري كاستغلال السلطة وغيرها، والتشهير والنشر بقضايا الفساد الإداري والمالي لا يقلان أهمية عن منح الأجهزة الرقابية الصلاحيات الكافية، كونهما من أكثر الأساليب التي أثبتت نجاحها في مكافحة الفساد الإداري عالمياً، وإلا سيظل وضع الفساد كما هو إن لم يزداد سوءًا، وسنشهد مزيدا من التراجع في مؤشر مدركات الفساد.