«مسيدة» بهذا الاسم عُرفَت، رغم أنه غريب جداً عن اسمها الذي تحمله أوراق الحكومة، ولدت صابرة في زمن اختلطت فيه الحياة بالضنك والجوع والقسوة حتى بات العنوان الوحيد الذي يعرف به ذلك الزمن! لبست وإخوتها ثياب اليتم مبكراً ليجابهوا الحياة وتقلباتها التي لا تفرق بين فاقد الأبوين وغيره بصدور عارية وأفئدة يكسوها الصبر على مرارات الأيام وعذابات السنين التي جعلت منهم قادرين قبل أن تكتمل القدرة فيهم، ليرسم كل منهم أحلامه التي ظن أنها ستكون دون وجع وعناء! تزوجت «مسيدة» مبكراً برجل يندر العثور على مثله في ذلك الزمن لتتقاسم معه الحياة بحلاوتها النادرة ومراراتها الكثيرة وتنجب منه فرحتها الأولى «محمد» التي لم تستمر طويلا، إذ أصيب مبكراً بحمى شوكية أفقدته القدرة على التحرك والمشي، وظلت كما هو عنوانها الذي ولدت به صابرة محتسبة شاكرة تحمل على أكتافها كثيراً من الأمل رغم الأحزان التي ما تفتأ تعاودها المرة تلو الأخرى، لتصاب هذه المرة بمرض في أقدامها جعلها تسقط كثيراً أثناء تحركها.
استمرت في صراع دائم معه ومع الحياة التي لم ترفع يوماً لها راية اليأس رغم تكرار الأحزان وتوالي المآسي بل ظلت محاربة بسلاح الأمل والصبر حتى آخر رمق، عادت البسمة لها من جديد لتنجب هذه المرة فرحتها الأخرى «حسن» الذي أرضعته وأخاه الصبر والتحمل ومجابهة الأقدار بذات السلاح الذي تحمله، وكما هي حكاية هذه السيدة مع البسمة التي لا تدوم طويلاً بل لا بد وأن يعقبها شيء من الكدر الذي يعيد تذكيرها بين الفينة والأخرى بعنوانها الذي ولدت به، فقد عاودها الكدر والحزن هذه المرة بعد أن بات لها حسن عكازاً تستند عليه عند الملمات والمصائب ليخطف الموت منها زوجها ويتبعه إخوتها وهي تلهج بالرضا والقناعة، اشتدت عليها سهام المرض حتى أقعدتها عن الحركة تماماً وزاد من مرضها سوء الخدمات الصحية التي يقدمها مستشفى القنفذة العام الذي أصر على بتر أحد أصابع قدميها وسعى لبتر رجلها في أيامها الأخيرة إلا أنها رفضت ذلك ما جعل المستشفى يلقي باللائمة عليها في تدهور حالتها الصحية لتشترك وزارة التربية والتعليم كذلك مع المستشفى التعيس وتزيد المرارات مرارة وترفض نقل ابنها حسن الذي لقنته الصبر حتى بات معلماً في إحدى مدارس الرياض ليكون بالقرب منها ومن أخيه المقعد!ودعتنا ليلة أمس السيدة الصابرة «مسيدة» بعد أن فاحت من وادي قريتها الصغيرة التي تقبع على ضفاف الساحل الغربي رائحة تشبه رائحة السيل الذي يحمل بين أحضانه المتناقضات كما هي الحياة، ودعتنا بعد أن زرعت على أطراف قريتها أغصان الأمل وعلقت على جدران بيوتها العتيقة لوحات الصبر والتحمل والرضا والقناعة، رحلت عنا الصابرة وصعدت روحها الطاهرة إلى فضاء السماء الرحب لتنشر بين كل الجموع التي كانت تركض خلف نعشها وقبل أن تهبط منه هبوطها الأخير داخل كوخها الصغير، الدرس الأخير الذي سيظل عالقاً في أذهانهم ما أبقتهم الحياة بأن سر البقاء يكمن في تحمل المصائب واغتنام المرارات، وأن الحياة عُجنت بشيء من الفرح وأشياء من القسوة، وأن السلاح الوحيد الذي يجب على المرء أن يرفعه عندما يواجه أمواجها المتلاطمة الصبر ولا شيء غيره على ابتلاء الأيام وأقدار السنين!