مخلوقات الكون قاطبة إلى زوال، و{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} والبشر منذ عهد أبونا آدم، أخيار وأشرار، ملوك وفقراء يفنون، فلم نسمع عمن خُلد بالعيش الدنيوي.
ونحن مؤمنون نصدق بوجود الإله المتحكم بالحياة والموت، ونعرف أن مسيرنا اليوم أو بالغد سينتهي بالوقوف بين يديه جلت قدرته ليحاسبنا ويجازينا بما فعلنا متأملين بسعة عدله، ومحبته ورحمته.
وفي كل يوم نفقد أشخاصا نحبهم وتربطنا بهم علاقات إنسانية تكبر وتصغر، تبعد وتقرب، ونفزع من الموت وكأنه يحدث لأول مرة، فنحزن وندمع، حتى يسلينا اليقين، لنرتقي باحتساب الأجر من عند من لا يموت، ونعرف أننا لا نمتلك للميت إلا دعوة بالغيب بالثبات عند السؤال، والمغفرة والرحمة، والثواب والإكرام، وسكنى جنان الفردوس مع الأنبياء والصالحين.
واليوم رحل عنا عبدالله بن عبدالعزيز، وهذا هو اسمه حين يقابل ربه، ولن ينفع أن أقول إنه الملك، فنفسه الآن ليست إلا نفس مملوك كغيره من البشر، وهو يقابل وجه الحق، ويقف بين يدي الخالق الديان كما ولدته أمه.
عبدالله اليوم منفرد في وحشة لحده والملكان يسألانه كما يسألان أي ميت، فكلنا لآدم، وآدم من تراب.
وعبدالله اليوم يقف منفردا بين يدي الخالق، وهو جلت قدرته لا يميز ميتا عن ميت آخر إلا بعمله؛ ساء فله من ذنبه ما يستحق، وزان فله من كرم الديان، ومن الثواب والعفو والمغفرة والوفادة الحسنة أكثر مما يستحق.
ونحن شعب هذا الوطن العريق لا ننكر الحقائق، ونُشهد لله على أن ما ظهر لنا من عملك يا عبدالله بن عبدالعزيز عملًا صالحًا، وأن مقاصدك نحونا لم تكن تكتسي إلا بالخير والصلاح.
صدقني، لقد أتعبت الملوك قاطبة، وأتعبت من سيأتون من بعدك، رحمك المولى.
وواجبنا أن ندعو لك رب العرش العظيم بأن يحسن وفادتك وأن يكرمك قدر نيتك وأكثر، وأن يُلحقك بالصالحين من عباده، وأن يهبك من طيب الجنان قدر ما صنعته وأكثر.
هذا عن الآخرة، أما عن الدنيا من بعدك فلقد تركتنا يا خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز، يا ملك المملكة العربية السعودية، ونحن في حال جميل، بعد أن دفعت عجلة السياسة والتنمية، وبادرت بمشاريع لم تكن تخطر على بال الأغلبية، وبحوارٍ وطني وديني، وبلحمة وطنية، ومنظومة أمن وأمان في بلد الحرمين الشريفين نُحسد عليها.
أقول، أعان الله من سيأتون من بعدك، ووفقهم بأن يفتح الله أعينهم على عبرة المُلك والحياة والموت، وعبرة العطاء دون انتظار للجزاء، ورزقهم من البطانة الصالحة من يعينهم على إتيان ذلك، لتأمين سبل الخير والرخاء، للوطن والمواطن.
وأن يجعلنا بعد عمر طويل حافل بالمنجزات، سعيد بالعمل والنجاح نرفع أيدينا بالدعاء لهم كما دعينا لك حيًا وميتًا.
رحمك الله يا أبا الإنسانية، والعطاء، والخير، وتعازينا الروحية لذويك ولأنفسنا ولكل محب وصديق لمهبط الوحي.
لقد أتعبت الملوك قاطبة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
