أثار قرار المصرف الوطني السويسري بالتخلي عن الحد الأدنى لسعر صرف الفرنك القلق لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تمثل عصب الاقتصاد السويسري، والتي اعتبرت القرار اختبارا لقدرتها على البقاء والاستمرار.
فهناك “شركة واحدة من بين كل خمس شركات في خطر”، بحسب ما صرح به هانز هيس، رئيس الرابطة السويسرية للصناعات الميكانيكية والالكترونية والتعدين Swissmem”، في أحد أعمدة صحيفة “نويه تسورخر آم سونتاج”، وأوضح أن إلغاء الحد الأدنى لسعر الصرف بين الفرنك واليورو “ستكون له آثار سلبية على العمالة”، لكنه في الوقت نفسه طمأن إلى أن “هذا القطاع تمكن من التغلب على أزمة ارتفاع سعر صرف الفرنك في 2011، وسيتغلب عليها هذه المرة أيضا”.
كذلك وصفت بعض أوساط المال والأعمال القرار المفاجئ الذي أعلن عنه المصرف الوطني السويسري وأذهل الجميع، بأن عواقبه ستكون “كارثية” على العديد من الشركات السويسرية، حيث رفع سعر الفرنك مقابل اليورو بنسبة 20 %، وهو الأمر الذي ستكون له تداعياته على مستوى الصادرات المحلية.
الشركات في المواجهة
على الرغم من محاولات الطمأنة، إلا أن الوضع يبدو مثقلا، ومن بين ردود الفعل القوية، تلك الصادرة عن إدوارد ميلان، المدير العام لشركة “هـ.
موزر وشركاه” الذي قال “بوصفي رجل أعمال على رأس شركة سويسرية صغيرة الحجم، فإني أهوى التحدي، إلا أن قرار المصرف السويسري زاد الأمور تعقيدا، ذلك أن 95% من إنتاجنا يباع في الخارج وأغتنم هذه الفرصة لأبلغكم بأننا، وإثر إعلانكم الخبر، تلقينا أولى عمليات إلغاء طلبيات، من قبل عملائنا من تجار التجزئة”.
وتطال المشاكل الناجمة عن ارتفاع سعر الفرنك جميع الصناعات التصديرية، ومنها الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها من منطلق مزاولتها العمل في الخارج، معتادة على مواجهة مخاطر مثل تلك المتعلقة بسعر الصرف، فهي بالتالي أقل تأثرا من غيرها بآثار الاضطراب في أسعار العملات.
بيد أن الغالبية العظمى (72%) من الشركات الأعضاء في الرابطة السويسرية للصناعات الميكانيكية والالكترونية والتعدين Swissmem”، لديها أقل من 10 موظفين وفقط 1.4% من الشركات الأعضاء توظف أكثر من 250 موظفا وعاملا، وأن 80% من أعضاء الرابطة يصدرون منتجاتهم، وأن 64% من هذه المنتجات تذهب إلى سوق دول منطقة اليورو.
وليست القطاعات الأخرى إلا ضمن هذه الأرقام، وفعلا نجد بأن 99.6% من الشركات السويسرية توظف أقل من 250 موظفا وعاملا، وتمثل ثلثي عدد الوظائف في سويسرا، وقد أظهرت دراسة أعدها المعهد الاقتصادي السويسري “كوف KOF” في العام الماضي، أن قطاع الصناعات التحويلية توقع انخفاضا في المبيعات بمعدل 3.4% خلال ستة أشهر و4.2% في غضون 18 شهرا في حالة ما إذا فك المصرف الوطني السويسري الارتباط مع اليورو.
أضرار محتملة في المجال السياحي
أوضح مدير وكالة السياحة في سويسرا يورج شميد، أنه أصيب بصدمة بسبب تخلي المصرف الوطني السويسري عن الحد الأدنى لسعر صرف اليورو.
وقال شميد في مقابلة نشرتها صحيفة “لوماتان ديمانش” الأسبوعية “هذا الخيار يسبب حالة من التردد في اتخاذ القرار عند الزبائن الأجانب، في حين نحن على أبواب موسم الذروة”.
وأشار شميد إلى أن القطاع الصناعي تعرض إلى توقف في الحجوزات (طلبيات جديدة) القادمة من أوروبا كما توقفت بشكل رئيس الحجوزات عبر الانترنت. ونوه مدير وكالة السياحة إلى أنه في حال بقي سعرا الفرنك واليورو متساويين “ستقل حجوزات الفنادق بشكل كبير”.
وبحسب شميد، فإن أكثر الدول “حساسية من الأسعار”: ألمانيا وهولندا، وبخصوص السياح من الصين وجنوب شرق آسيا “فهم لا يأتون لزيارة سويسرا فقط”، وإنما أيضا لبلدان أوروبية أخرى، وتقلبات أسعار الصرف بالنسبة لهم ليست بتلك الأهمية، ويبقى المعوّل الأساسي بالنسبة للقطاع السياحي السويسري على السكان المحليين “علينا أن نقنعهم بالبقاء في سويسرا” حسب تعبيره.
ومن وجهة نظر مدير وكالة “السياحة في سويسرا”، يلزم قبل اعتماد استراتيجية جديدة انتظار أن يهدأ الوضع لنرى كيف سيكون حال الفرنك بالنسبة للعملات الأخرى، وفعلا، بدأت بعض النقاشات ولكن لم تطلب لحد الآن من الحكومة أية مساعدة و”آمل ألا تكون هناك حاجة”.
ثلاث سنوات ونصف السنة للاستعداد
من زاوية أخرى، أبدى الاتحاد السويسري للفنون والحرف (USAM)، الذي يضم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بعض التفهم حيال القرار، معتبرا تدخل المصرف الوطني السويسري، منذ سبتمبر 2011، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
وصرح هنريك شنايدر، المسؤول عن رسم السياسات الاقتصادية في الاتحاد السويسري للفنون والحرف، أن المصرف الوطني السويسري أكد أن الحد الأدنى لسعر الصرف ليس سوى تدبيرا موقتا.
ولفت إلى أنه “كان أمام الشركات ثلاث سنوات ونصف السنة للاستعداد لهذه اللحظة”.
وأضاف أن “بعض ردود الفعل على إعلان المصرف الوطني السويسري، مثل أولئك الذين يتحدثون عن إفلاس وغير ذلك، ما هي إلا تعبير عن الصدمة الناجمة عن القرار الذي جاء فاجعا”، وتابع “والآن، على كل شركة أن تجري تقييما لما يجب عليها القيام به، وستخبرنا الأشهر القليلة المقبلة أي تلك الشركات كانت مستعدة لوضع كهذا”.
تخفيض الأعباء البيروقراطية
على ذات الصعيد، ناشد الاتحاد السويسري للفنون والحرف، الذي يضم 300 ألف عضو، الحكومة للإسراع في إجراءات تخفيض الأعباء البيروقراطية مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في التغلب على ما ينتظرها من صعوبات خلال الأشهر والسنوات المقبلة.
وفي الخريف الماضي، كشف تقرير حكومي أن بالإمكان الحد من كثير من المتطلبات الإدارية، المتمثلة على سبيل المثال، في أطنان من الأوراق والنماذج التي يطلب من الشركات تعبئتها بخصوص ضريبة القيمة المضافة أو وفقا لإملاءات اللوائح السويسرية والأوروبية بشأن الواردات والصادرات، الأمر الذي من شأنه أن يوفر على الشركات مبالغ مالية تصل إلى 10 مليارات فرنك سنويا.
وأشار شنايدر إلى أنه “عقب نشر التقرير، طالبنا الحكومة بسرعة التحرك”، فكانت الإجابة، أن القضية ليست ملحة. ولكن، ها هي اليوم قد أصبحت ملحة”.

