في مواجهة دعوات العنف والتطرف التي قسمت العالم إلى شقين، وفي أوج المواجهة الدولية مع الإرهاب وما لحقها من اتهام للمسلمين، حمل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، هم قيادة محور الاعتدال الإسلامي في مواجهة التطرف والغلو ودعوات التشويه المنظمة التي استهدفت المسلمين دولا وشعوبا، فأطلق دعوته الشهيرة من مكة المكرمة للعلماء والمفكرين للخروج بصيغة إسلامية موحدة كانت نواة إنشاء مركز الملك عبدالله لحوار الديانات السماوية الذي أنشئ في العاصمة السويسرية فينا، بمشاركة ضخمة من كبار العلماء وممثلي الديانات السماوية وهي الدعوة التي أطلقت بعدها رابطة العالم الإسلامي مؤتمر «مبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار وأثرها في إشاعة القيم الإنسانية»، بمشاركة محاورين مسلمين وغير مسلمين، والذي كان ترجمة حقيقية للتقارب بين أتباع الأديان المختلفة.
وقال أستاذ المذاهب والشريعة الدكتور عبدالحميد العوا، إن هذه الخطوة كانت ترجمة حقيقية لمعاني التسامح الإسلامي التي تمثلها الرسالة الحقيقية للإسلام، فالإسلام لم يشرع لمحاربة الديانات ولقتل المخالفين بل حاور النبي، صلى الله عليه وسلم، الكفار وشاركهم واختلف معهم وحاور المنافقين واليهود وأهل الكتاب فمن كان ينقم على خادم الحرمين هذه الخطوة هم فئات لا تمثل معنى التسامح الحقيقي للإسلام.
وأضاف العوا أن بداية الألفية الجديدة انقسم العالم إلى قسمين، فأراد المتطرفون خطف الإسلام لمواجهة حقيقية مع أتباع الديانات الأخرى وخرجت دعوات ومناشدات ترفض التقارب والتسامح، وهناك الفئة الكبرى والتي قاد لواءها الملك الراحل لإعادة الأمور إلى نصابها وأعلن بخطوات جريئة للعالم أجمع براءة العالم من الإرهاب والفكر الذي يمثله فأطلق مبادرته الشهيرة التي حظيت بتأييد السواد الأعظم من الأمة، ودعمها العلماء المعتبرون.
وقال إن العلماء حضروا المؤتمر أو ما عرف بنداء مكة، وفعلا تم الخروج بصيغة معتبرة وموحدة حينها أعلن الملك عبدالله أننا «ننطلق في حوارنا مع الآخر بثقة نستمدها من إيماننا بالله، ثم بعلم نأخذه من سماحة ديننا»، وهي عبارة أصلت مفهوم الحوار وحظي بقبول كبير من الآخر.
وكانت أهم محاور ذلك المؤتمر تمثلت في إنشاء هيئة عالمية للحوار، لوضع استراتيجية موحدة للحوار ومتابعة شؤونه وتنشيطه والتنسيق والتعاون في ذلك مع الجهات المعنية به، وإنشاء مركز دولي للحوار باسم «مركز الأمير عبدالله الدولي للتواصل بين الحضارات»، لإشاعة ثقافة الحوار، وتدريب وتنمية مهاراته وفق أسس علمية دقيقة، وإطلاق جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للحوار الحضاري، ومنحها للشخصيات والهيئات العالمية التي تسهم في تطوير الحوار وتحقيق أهدافه، بالإضافة لعقد مؤتمرات وندوات ومجموعات بحث للحوار بين أتباع الرسالات الإلهية والحضارات والثقافات والفلسفات المعتبرة، يدعى إليها أكاديميون وإعلاميون وقيادات دينية تمثل مختلف الثقافات العالمية.
ثم تكللت تلك الجهود باجتماع عالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات المعتبرة، عقدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نوفمبر 2009م وحضره عدد من قادة الدول في العالم ورؤساء الهيئات الدولية، وهي الخطوة العالمية التي تعد الأولى من نوعها في الوقت الحاضر أن يجتمع ويتفق هذا الكم الهائل من العلماء والمفكرين وقادة الدول لنبذ التطرف ورفض إلصاقه بدين معين.
وقال حينها خادم الحرمين الشريفين في كلمته في ذلك الاجتماع إنه «آن الأوان لأن نتعلم من دروس الماضي القاسية، وأن نجتمع على الأخلاق والمثل العليا التي نؤمن بها جميعا، وما نختلف عليه سيفصل فيه الرب سبحانه وتعالى يوم الحساب، إن كل مأساة يشهدها العالم اليوم ناتجة عن التخلي عن مبدأ عظيم من المبادئ التي نادت بها كل الأديان والثقافات، فمشاكل العالم كلها لا تعني سوى تنكر البشر لمبدأ العدالة».
وقال أيضا إن «الإرهاب والإجرام أعداء الله، وأعداء كل دين وحضارة، وما كانوا ليظهروا لولا غياب مبدأ التسامح، والضياع الذي يلف حياة كثير من الشباب».
وبحسب الدكتور العوا فإن الملك عبدالله استطاع بهذه الخطوات الجريئة إعادة الإسلام من مختطفيه ومن يدعي تمثيله من المتطرفين وأتباع شهوات القتل والمتآمرين والمنافقين الذين حاولوا سرقة سماحة الإسلام وإنتاج التطرف والقتل.
وأفاد أستاذ العقيدة الدكتور مبارك الهظيفي، أن ما قدمه الملك الراحل لا يمكن إيجازه، وأننا نتقدم ببالغ العزاء والمواساة للأمة الإسلامية والعربية وللسعودية بفقيد الأمة الذي لم يكن همه شعبه وحسب بل حمل راية الاعتدال الإسلامي وحمل هم الشعوب الإسلامية والعربية، ومبادراته في تقارب الأديان وعكس سماحة الإسلام كان هدفها رفع الضيم والظلم عن المسلمين كافة الذين أقحموا في مواجهة ظالمة وغير عادلة مع الغرب خسرت بسببها شعوب كثيرة كأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول التي تضررت من دعاة التطرف والإرهاب دعاة الضلال الذين رفضوا خطوات الملك الراحل وحاولوا تشويه جهوده لكنه استمر بخطوات ثابتة وبدعم من العلماء في جهوده لرفع الظلم وعكس سماحة الإسلام الحقيقية، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه على ما قدم للأمة خير الجزاء.