تعيش مكة المكرمة ومهبط الوحي منذ مدة طويلة أزمة إسكانية، فبعد أن كان أهلها يتكاتفون فيما بينهم في بناء المساكن، ويمكن للعاجز منهم على تملك سكن أن يبني على سطح منزل من يحب، أصبحت الأغلبية تسكن تحت ظل الإيجار الذي ينحسر عنهم كل فترة طالبا زيادة في المال، وبعد أن كانت الأوقاف تسهم بما تستطيع بإسكان مستحقيها أو تقديم السكن بمبالغ زهيدة، انحسرت تلك الجهود بعد مشاريع التطوير، وبعد وفرة الأراضي رخص أثمانها بأسعار معقولة، أصبحت الأراضي فيها نادرة وأسعارها قفزت إلى عشرين ضعفا عما كانت عليه قبل عشرين سنة، ومشاريع التطوير حينما تأتي إلى مكة تأخذ مساكن أهلها ولا تعطهم البديل وأما التعويض فيختلف من جهة لأخرى ولكنه في الغالب لا يكفي لتملك منزل أو شقة. هذا وقد انتشرت في مكة في الفترة الأخيرة بيع الأراضي عن طريق الوثائق، وتبقى تحت التداول فيشتريها شخص ويبيعها عددا من المرات حتى تأتي أي جهة تنفيذية توقف هذه الحماقة في بيع أراضي بطرق غير رسمية ومحاولات لرفع أسعارها وغش من ليس لهم دراية بالقانون، وأما العشوائيات في مكة فهي منتشرة في معظم جهاتها وسبب هذا الانتشار إما لضعف القدرة المادية لأصحابها وإما لعدم احترامهم لقوانين الدولة كقوانين الإقامة، أو منح الأراضي وغيرها، وأما مشاريع الإسكان فهي ما بين تأخير أو فشل وعدم تقديم لما هو مأمول منها، كمشروع إسكان الملك فهد الذي لم يحقق النجاح المطلوب منه. ولهذه الأسباب وفوقها أنها مكة المكرمة التي خصها الله ببيته الحرام ومزار ضيوفه من الحجاج والمعتمرين، يجب أن نستنفر قوانا من أجل حل هذه المشكلة قبل باقي مدن المملكة.
لعل أول الحلول وأسهلها هو أن تزيد حصة أهل مكة عن باقي مدن المملكة في الاستفادة من صندوق التنمية العقاري، وأن تضاف لهم نقاط على حسب أراضيهم إن تعرضت لإزالة، أو فترة الإقامة في مكة ونسبة الإيجار الذي يدفعه المكي مقابل الدخل الذي لديه، كما يجب أن يدعم الصندوق مدينة مكة المكرمة بوحدات سكنية جديدة واستعادة المساكن التي لم تتم الاستفادة منها في مشروع إسكان الملك فهد، وتقديمها للمواطنين المتضررين من المشاريع السكنية كتعويض فوري على السكن المزال، وشراء العمائر السكنية وإعادة تأهيلها ومنحها للمواطنين كحلول سكنية، أو تقديمها لهم بمدة موقتة حتى يتم تجهيز البديل لهم، فأهل مكة عن باقي أشقائهم في مناطق المملكة قد اعتادوا على السكن في العمائر نظرا لطبيعة مكة الجغرافية وكثرة جبالها وحدود حرمها، ومن أهم الأسباب التي تمنعهم الآن من مواصلة هذا العمل هي المشكلات التنظيمية التي تحدث في الشقق التمليك والخلافات التي تقع من سوء الجيرة أو عدم دفع المبالغ العامة من بعض الساكنين كإيجار المصعد والكهرباء العامة أو الماء وغيرها، وهذه الإشكاليات بالإمكان التخلص منها وتصحيحها بحزم وقوة القانون.
أزمة الإسكان في مكة تمر بموقف حرج وبحاجة إلى تدخل فوري، وإلى زيادة الرقابة على الأراضي ومنع التعديات عليها، وإنهاء النزاعات القضائية على الأراضي في المحاكم، وسرعة صرف التعويضات وإنصاف مستحقيها، ومعاقبة لصوص الأراضي، ومكتنزيها ومحاسبتهم وجعلهم عبرة لغيرهم لتقف هذه الظاهرة عند حدها، واستحداث أربطة جديدة ومساكن خيرية جديدة للحد من ظواهر العشوائيات المنتشرة في كل أرجاء مكة، وعدم البدء بمشاريع تطويرية جديدة إلا بعد إنهاء الأزمة السكنية في مكة المكرمة ولو بحلول موقتة مع تحديد الخطة الاستراتيجية للحل النهائي، وعلى هذه الحلول ألا تستهدف طبقة معينة دون أخرى، ففقراء مكة لهم حق في هذه الأرض كغيرهم، وضعف قدرتهم المادية ليس مبررا لنا أن نحرمهم من جيرة بيت الله والقرب منه.
مملكتنا تثبت لنا دائما قدرتها على حل المشكلات وقدرتها على تنفيذ المشاريع في وقت قياسي، فدولة استطاعت أن تنجز ملعبا عالميا في مدة سنة واحدة لهي قادرة على أن تنهي مشكلة الإسكان في مكة المكرمة وفي كل مدن المملكة بنفس السرعة وبكفاءة ودقة أعلى إن أرادت وعزمت، وقد تعودنا من قيادتنا الاهتمام بكل مشكلاتنا اليومية قبل أنشطتنا الترفيهية، والخروج من أزمة الإسكان هذه لا يستلزم ميزانية ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إرادة ورغبة وحنكة، وكم أتمنى في القريب العاجل لأم القرى وكل ما حولها أن ينعم أهلها بمساكن تليق بهم.