بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود أمس الأول فقدت الأمة العربية والإسلامية والعربية، والعالم واحدا من أعظم قادة العالم، قائدا تاريخيا واستثنائيا، استطاع بحنكته ودهائه السياسي أن يتجاوز التحديات السياسية الكبيرة والمشاكل العصيبة التي مرت بها المملكة، ودافع عن قضية الأمة الإسلامية دون كلل أو ملل، ولم تأخذه في الحق لومة لائم. وبرحيل هذا القائد العظيم، رجل المحبة والسلام تفقد الأمة قائدها، ودليلها، وربان سفينتها الناصح الأمين.
ففي عهده سجلت المملكة سابقة تاريخية في تاريخ مجلس الأمن عندما رفضت شغل مقعدها فيه على الرغم من انتخابها لذلك، احتجاجا على أسلوب وآليات عمل وازدواجية معايير مجلس الأمن الحالية التي تحول دون قيام المجلس بأداء واجباته وتحمل مسؤولياته تجاه حفظ الأمن والسلم العالميين على النحو المطلوب، كما لعبت المملكة دورا كبيرا في الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية.
وتجاوزت المملكة في عهده ـ يرحمه الله ـ السقف المعتمد لإنجاز الأهداف التنموية التي حددها إعلان الألفية للأمم المتحدة 2000، فقد كان قائدا حقيقيا للإنجازات العظيمة والتنمية التي شهدتها المملكة في عهده، فالإنجازات العظيمة التي شهدتها فترة حكمه ـ يرحمه الله - لا يتسع المقال لذكرها، لعظمتها وشموليتها، وكانت بصمته فيها واضحة، ورؤيته حولها تنطلق من حنكة ودراية سياسية، وبعد نظر واستقراء للمستقبل.
ففي مجال التعليم وبناء الإنسان كان ينفق بسخاء منقطع النظير، إيمانا منه ـ يرحمه الله ـ بأهمية بناء رأس المال البشري، ودوره في تحقيق التنمية المستدامة، فخلال فترة حكمه التي قاربت عشر سنوات تضاعف أعداد الجامعات السعودية من ثماني جامعات إلى نحو 28 جامعة حكومية، وتم إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست”، وتأسيس مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام، الذي يهدف لجعل التعليم العام نقطة البداية نحو مشروع التقدم والرقي، كما شهد عهده إطلاق أضخم برنامج للابتعاث الخارجي حمل اسمه ورؤيته كقائد عظيم يفخر به جميع أبنائه (أبناء هذا الوطن)، فقد تجاوز عدد مبتعثي البرنامج وفقا لإحصاءات وزارة التعليم العالي نحو 150 ألف مبتعث ومبتعثة في أرقى وأشهر الجامعات العالمية، شاملا كافة التخصصات العلمية والإدارية والطبية، ليلبي احتياجات القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء، كما خصص نحو %25 من الميزانية العامة للمملكة كل عام لتطوير التعليم بشقيه العام والعالي، إيمانا منه ـ يرحمه الله ـ بدور التعليم في تنمية الأعمال، وتحقيق التنمية المستدامة.
واقتصاديا كان يرحمه الله مدركا لحاجة المملكة المستقبلية لتنويع مواردها الاقتصادية، وأن الصناعة هي الرهان الحقيقي لتحقيق ذلك، وأسس من أجل ذلك خمس مدن صناعية واقتصادية، هي مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ، ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل، ومدينة جازان الاقتصادية، ومدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة، ومدينة رأس الزور الصناعية، لنقل المملكة إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة.
كما استطاعت المملكة في فترة حكمه أن تسدد 599.7 مليار ريال من دَينها العام، ليتراجع مستوى الدين العام بنحو %90 عما كان عليه في 2003، وبذلك تراجعت نسبته من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية (الاسمي) إلى %1.6 في 2014، مسجلة أقل نسبة في العقد الأخير، بعد أن انخفض الدَّين العام إلى 44.26 مليار ريال.
وفي نهاية العام الماضي فقط خفضت المملكة دينها العام بنسبة 26% ليصل إلى نحو 44.24 مليار ريال مقارنة بنحو 60.11 مليار ريال بنهاية عام 2013، لتنخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 2.7% في عام 2013 إلى %1.6 في عام 2014، وبالتالي أصبحت المملكة أقل دول العالم في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، لتحتل المرتبة 171 في قائمة الدول الأكثر ديونا في قائمة 175 دولة.
كما شهد عهده ـ يرحمه الله ـ بناء احتياطيات نقدية ضخمة تجاوزت حاجز ثلاثة تريليونات ريال بعد أن كانت لا تتجاوز 80 مليار ريال في عام 2001، ستسهم بإذن الله تعالى في الحد من تأثير تقلبات أسعار النفط على ميزانية المملكة، ومستوى الإنفاق على تعزيز وتجديد البنية التحتية.
رحم الله خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وجزاه الله عنا وعن الأمة العربية والإسلامية كل خير، فقد كان قائدا تاريخيا واستثنائيا ترجم رؤيته التنموية واقعا مملوسا، وأعان الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ووفقهما لما فيه خير البلاد والعباد.
ورحل قائد الإنجازات والتنمية
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
