يستطيع بعض البشر تحويل المعاناة والمصاعب التي يمرون بها في حياتهم إلى وسيلة لإثبات الذات وتحقيق الطموحات التي قد يعجز عن الوصول إليها الذين يعيشون بلا متاعب.
وهناك العديد من النماذج الإنسانية التي لم تستسلم لليأس ولم توقف معاناتهم سير حياتهم، بل واجهوا التحديات لإيمانهم بأنهم خلقوا لينتصروا على تلك المآسي، بعضهم صنع نجاحاته بنفسه فيما يعرف علميا بالتعليم الذاتي، إلا أن السؤال الأهم هنا وماذا عن المعنفين الذين لا يملكون القوة للوقوف مجددا بعد أزمتهم ومواجهة المجتمع من جديد، فهؤلاء يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم ليضعهم على الطريق الصحيح من جديد فيما يعرف بالتعليم التدريبي.
نعمة الطلاق
اختصرت المرأة المكية سلمى محمد ذات الـ29 عاما معاناتها بعبارة «من هنا تبدأ الحياة» وبصوت يختلط فيه الوجع بالإصرار تروي قصة نجاحها بعد الفشل، والنهوض بعد الوقوع، فعندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها حرمت من استكمال تعليمها، ثم أجبرت على الزواج برجل يكبرها بعشر سنين، فتعرضت لعنف نفسي وجسدي حتى فقدت الأمل في نجاح تجربتها والعيش في حياة كريمة.
وقالت سلمى: نظرت إلى حياتي وجدتها تنهار أمام عيني لم أسكت، أو أرضخ للعذابات اليومية التي تعرضت لها فاجتزت كل ذلك، وقفزت فوق العقبات ولم أستسلم للضعف والانهزام، وأنعم الله علي بأن طلقت بعد معاناة طويلة، تعرضت خلالها لأنواع من العذاب المجتمعي والأسري.
وأضافت قاومت كل الضغوط بينما كان الآخرون ينظرون لي نظرة شفقة، فأكملت تعليمي الجامعي، وتسلحت بالعلم وأصبحت كثيرة القراءة، وهذا ما ساعدني على تجاوز أزمتي وأوصلني إلى مكانة جيدة في المجتمع تجعلني أشعر الآن بالرضا، فكانت مأساتي بوابة انطلاقي للنجاح.
تجربة أنثوية
«ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم»، هذا جزء مما كتبته الأديبة الفلسطينية فدوى طوقان، التي كانت قصة معاناتها سببا في جعل تجربتها الشعرية من أقوى التجارب الأنثوية في الحب والثورة والاحتجاج.
وتعرضت طوقان إلى تعنيف أسرتها وهي طفلة، حيث أجبرها والدها على ترك مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية، حيث كانت تنظر عائلتها إلى مشاركة المرأة في الحياة العامة على أنها أمر غير مقبول، ورغم ذلك استمرت فدوى في تثقيف نفسها بنفسها ولم تستسلم لتلك الضغوط، وكانت تكتب وتبعث بكتاباتها للصحافة كي تقوم بنشرها.
شعور بالظلم
ومن أقوالها الشهيرة عن مأساتها «كان أشد ما عانيته حرماني من الذهاب للمدرسة وانقطاعي عن الدراسة، حتى بدأ يتكشف لدي الشعور الساحق بالظلم، وظللت أجمع الأمور الصغيرة لتصبح جسرا ينقلني من حال لحال، حتى أصبحت خفيفة كالطائر، لم أعد مثقلة القلب بالهم والتعب، وفي لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم، وامتدت مكانه في نفسي مساحات مستقبل شاسع مضيئة خضراء كمروج القمح في الربيع».
تصحيح مسار
وترى الأخصائية الاجتماعية منال الصومالي أن أي تدخلات علاجية للمعنفين يجب أن يصاحبها علاج للبعد الاجتماعي والنفسي للمعنف، إذا ما تم التعامل مع الحالة بشكل سليم ومحكم فستكون تلك العقبة التي واجهتها وقود للسير للأمام، بحيث يكون التدخل وفق معايير معينة لتعيده إلى المجتمع لممارسة دوره في الحياة بشكل طبيعي.
ومن جانبه يوضح الأخصائي النفسي الدكتور عبدالله الحريري أن كثيرا من الناس لديهم طاقات سلبية وإيجابية ومواطن ضعف وقوة، ومنهم من يستمد قوته في حياته عن طريق التعليم أو التدريب غير الموجه، فتكون لديه قدرة لرؤية محاور الخطأ والصواب، فيخطئ مرات، ويصيب مرات أخرى حتى يصل إلى نتيجة إيجابية.
العلاج الذاتي
ويؤكد الاستشاري النفسي الدكتور عبدالله الحريري أن أغلب الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع التعنيف لم يخضعوا لتدريب موجه، لمواجهة الضغوط الناتجة عنه، ومنهم من عالج نفسه بنفسه، وهو ما يسمى بالعلاج الذاتي، ملمحا إلى أن كثيرا من البرامج العلاجية أثبتت فشلها بالتواصل مع الفئة المعنفة فهم أقرب للعلاج الذاتي حيث يملكون القوة التي تساعدهم على تخطي تلك العقبة.
وأشار إلى أن حدوث أي انتكاسات للمعنفين بعد تجاوز الأزمة يتوقف على نوعية التعنيف الذي تعرضوا له، والمرحلة العمرية التي حدث فيها، إضافة إلى استمراريته والضغوط المصاحبة له، سواء نفسية أو جسدية، كما تعتمد على شخصية الفرد نفسه، وتأثير المجتمع من حوله وهو أمر يسهم بشكل كبير في مساعدته على الاستمرار أو الانتكاس.
التشخيص المنطقي
وأضاف الحريري أن إعطاء المعنف فرصة ليعبر عما بداخله يعد من ضمن الحلول التي تسهم في تجاوز أزمته، ويفضل أن يتحدث إلى متخصص والذي يتوجب عليه ألا يبادره بتوجيه النصائح المباشرة لأنها أحيانا تؤدي لنتائج عكسية، وعليه أن يتبع معه أسلوب التشخيص المنطقي والعقلي، لتخفيف آثار التعنيف لديه.
وأشار إلى وجود كثير من البرامج التي تساعد المعنفين لتجاوز كثير من المراحل القاسية التي مروا بها في حياتهم، حيث إن لكل مرحلة عمرية أسلوبها العلاجي، مع ضرورة إشعار المعنف بأهميته ودوره الفاعل في المجتمع.

