كلما توسعنا في مجال الكتابة للجرائد والمنابر الإعلامية المرموقة وتعاملنا مع الواقع السياسي بتجرد، ازدادت مسؤوليتنا على قول الحقيقة دون رتوش أو تزويق، وهذا ما فعلناه طوال اشتغالنا بهذه المهنة بأمانة إلى حد كبير، سواء أراد الحاكم ذلك أم لم يرد، أم غضب علينا أم رضي، لا يهم، المهم أن ننقل الحقائق للرأي العام كما هي ونكشف ما يدبر من وراء ظهره، لأن الجزء الأكبر من أخطاء القادة السياسيين وإخفاقاتهم تنعكس على الجماهير وهي التي تدفع ثمنها، وبالإضافة إلى عملنا ككتاب رأي وثقافة، نعمل أيضا كمراقبين جيدين لخطوات من بيده القرار السياسي وهو من صميم عملنا، وكذلك نعمل لدى سيادته كمستشارين ممتازين ننصحه بإخلاص ونحذره من الأخطار القادمة التي قد يكون غافلا عنها ولا يشعر بها، وإن لم يُرِد منا ذلك ورفض، فمن أخص واجباته كحاكم أو رئيس إقليم أو كرئيس جمهورية أن يستمع إلينا ويتفاعل مع أفكارنا وأطروحاتنا السياسية ما دامت تخدم الصالح العام وتسهم في دفع القضية القومية والوطنية إلى الأمام، ولكن مع الأسف لحد الآن نحن في واد وهؤلاء في واد آخر، ينظرون بمنظار حزبي ضيق، لم يحاولوا أبدا الاستفادة من خبراتنا السياسية وعلاقاتنا الإعلامية الدولية المتشعبة، بل بالعكس حاول بعضهم وضع العراقيل أمامنا وثنينا عن متابعة عملنا، لمجرد أننا لسنا من حزب فخامته ولا من حاشيته وخدمه وحشمه، ولا من الذين يزينون له الأمور على غير حقيقتها، كثيرا ما حذرنا المسؤولين من بطانة السوء هذه وتأثيرها المدمر على البلدان، فهي أس البلاء وأساس الخراب في كل زمان ومكان، وقد حذر منها السابقون واللاحقون، ونحن سرنا على دربهم ونصحنا الـ»ريس» مرارا باختيار أفضل المستشارين، خبرة، وثقافة، وأجرئهم على قول الحق دون خوف أو وجل، فالمستشار عندما يوافق الرئيس في كل ما يقول ولا يعترض على شيء، فهو مستشار سوء، والمستشار الذي لا يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه ويعتبرها مجرد وظيفة وجاهية، فهو أيضا مستشار سوء.. والذي لا ينقل الواقع له كما هو ويخفي ما يحدث فيه لكيلا يعكر مزاج سيادته فهو أيضا مستشار سوء.
إني أتعجب لمستشار لا يرى الرئيس ولا يلتقي به إلا في المناسبات، كيف لا يستقيل ولا يبحث عن عمل آخر أكثر كرامة وفائدة؟
وظيفة المستشار عندنا وجاهية وغير مهنية تتم بناء على الصداقة الشخصية أو الانتماء الحزبي.. يقال إن لدى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ثلاثمئة مستشار، (مستشار ينطح مستشار)، ويصرف عليهم أموالا طائلة من خزينة الدولة، ولكن مع هذا الجيش الاستشاري الكبير، والإمكانات المادية المهولة التي بين يدي رئيس الوزراء (يقال إن مصروفات مكتب المالكي لوحده أحد عشر مليار دولار في السنة) يخفق في إدارة البلد.. فالأوضاع العامة فيه تسوء يوما بعد يوم، والحالة الأمنية لا تسر عدوا ولا صديقا، علاقته مع الدول العربية والإقليمية ما عدا إيران مقطوعة وصلته بالفرقاء السياسيين العراقيين متدهورة تماما، والفساد مستشر في المؤسسات كالأخطبوط، وأصبح العراق بفضله من أكثر الدول فسادا وأكثرها خمولا وكسلا وعاصمته «بغداد» حلت في ذيل قائمة المدن الأقل نوعية في المعيشة والأسوأ بين أربع مدن إقليمية، والأزمات التي يثيرها كل يوم لا تنتهي.
كنت من أوائل الكتاب الذين حذروا العراقيين من خطورة هذا الحاكم الطائفي على العراق وعلى المنطقة، من خلال مقالات نشرتها في كبرى الجرائد اللندنية والخليجية في السنوات الأولى من حكمه، وطالبت المكونين السني والكردي بضرورة نبذ خلافاتهما جانبا وتوحيد صفوفهما من أجل مواجهة مخططاته الطائفية في المنطقة بدعم مباشر من إيران، ولكن لم يأخذا بنصيحتي ونصيحة الكثيرين من أمثالي، وظلت الخلافات عميقة بينهما لغاية اليوم.
واقتنص المالكي هذه الخلافات الحادة بين المكونين السنيين، واستفرد بكل واحد منهما على حدة واستطاع أن يتغلب عليهما ويقصيهما عن الحكم بصورة تدريجية.
والقرارات المصيرية الآن بيد المالكي حصرا، وهو بدوره خاضع لإيران ونفوذها القوي في العراق، بعلم أمريكا، واللعبة السياسية التي تقوم بها الأطراف الأخرى الشيعية الموالية بدورها لإيران مثل التيار الصدري لمقتدى الصدر والمجلس الأعلى الإسلامي لعمار الحكيم والإصلاح لإبراهيم الجعفري وغيرها التي تعادي سياسة المالكي في الظاهر، ولكن في السر كلها تجتمع على فكرة واحدة وتنفذ خطة واحدة، وهي بقاء السلطة بيد الأحزاب الشيعية أطول فترة ممكنة.
المستشار الحقيقي
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
