تتردد مفردة (النزق) بين بعض الكتاب، ويرونها متلازمة مع سلوك المثقف، ومرافقة لاتجاهاته، ويبررون ذلك بكثرة إلحاحه ومطالبه؛ فإن كتب أو تحدث في قضية ما، تصاعدت الهمسات من خلفه: هذا مثقف نزق! والنزق وفقًا لـ»لسان العرب»: الخفة والطيش والعجلة في كل أمر، أو العجلة مع الحمق والطيش، وتبدو هذه الصفات كاسرة للمعتاد والسائد من السلوك الذي استمرأت سلطة ما الاعتياش عليه.
لعل من صيغ المثقف أن يكون مختلفًا عن غيره، وذلك بما يمتلكه من خبرات ومعارف تؤهله للاختلاف المفيد لمجتمعه، والناجع لثقافته، ولذلك فمن اللازم أن لا تتوافق اتجاهات سلوكه الثقافي مع ما هو سائد، وتبعًا لذلك قد تبدو كتاباته ومواقفه عند بعض المتلقين وبعض المثقفين مختلفة عن السائد، أو شاذة نزقة، وربما متسرعة، وأحيانًا ثائرة ومتميزة، لكن التدقيق في ذلك يقودنا إلى القول: إن هذا ليس من الطيش، ولا يوافق النزق، بل من الاتزان والحكمة، إنه سعي حثيث إلى رمي الأحجار في المياه الراكدة، وإطلاق أطواق النجاة لمجتمعات تعاني فقدها.
يقع المثقف الحقيقي بين عدد من الشبكات التي تمثلها سلطات قد تمنع عنه حرية التعبير، وتتراوح هيمنة تلك السلطات من فئة إلى أخرى. ونتيجة لما سبق يتباين المثقفون في تفاعلهم مع تلك الشبكات؛ فبعض المثقفين ينصاع لهيمنة السلطة ونفوذها، وتتنازع تلك الهيمنة خطابات تبدأ من خطاب العامة، وتنتهي بخطابات تقليدية مؤثرة كالسياسة والدين، ولذلك تراه مستجيبًا للسائد والمعتاد، ويعتمد على ذلك في إنتاج خطابه اللحظيّ. ومن أولئك من يردد ما يقوله المثقفون ليضعهم حجابًا يفصل بينه وبين هيمنة الخطابات الأخرى، وكلا الفئتين لا يمكن وصفهما بالنزق.
ولا يتمنى المثقف الانتماء إليهما، أما الفئة الأخيرة فهم المثقفون الذين يلتزمون بإبداء الرأي، ونقد تلك الخطابات وفقًا لمعطيات عصرهم؛ وهؤلاء على نوعين: من يستجير بإيقاع يغلب عليه البطء، ومن يلزم إيقاع التسارع، وكلاهما معرضان للاتهام بوصفه بالنزق والطيش والتسرع.
ويمكن عدّ وجود هذه الفئات مفيدًا وضروريًا، إذ تسهم في قيام المثقف الحقيقي بدوره، فالفئة الأولى والثانية تمثل وقودًا ينبغي أن يتفاعل معه المثقف ليعرف موقعه الحقيقي قياسًا بما يُنجزه أولئك. ولهذا لن يكون المثقفون أنفسهم سالمين من النقد، فهم في وضع جدلي مع خطابات متنافرة لا تلبث أن تستقر مع الطبيعة الإنسانية الراغبة في التطوير، ومن ثمّ التغيير. لأن اختلاف الأدوار يسمح بإيجاد بيئة مناسبة للإنتاج، وفي هذا حالة صحية للثقافة عامة، ليظل الأهم دائمًا والعامل الذي ترتهن إليه تلك العملية الاتفاق على دور النقد أولًا وأخيرًا، ذلك النقد الذي يمثل خطوة لإجراء التغيير.
إن نقد المثقفين ليس بدعًا في التجربة الإنسانية، فقد استهل بنقد الفرنسي (جوليان باندا) الذي ميز بين كتاب حقيقيين وكتبة السلطة،
ولا يزال المثقفون عرضة للنقد الفاعل والأطروحات الجادة، التي تختلف عن الأوصاف الجامدة، ولذا فإن اتهامهم بالنزق يبدو في غير محله إلا حال عدّه نزقًا ثقافيًا، أما حال كونه صادرًا من موقف سلطوي تجاه الثقافة والمثقف فلن يجتاز كونه وقودًا ضروريًا لإشعال حالة النزق لدى المثقف.
متى يكون المثقف نزقا؟
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
