في كل الأزمنة، وفي كل الظروف، ومع كل الأشياء يطرح السؤال المتجدد: ماهي القوة؟ ليبقى الجواب مختلفاً ومتنوعاً ومفتوحاً، لا نهائية له.
فهو في العمق سؤال عن ثلاثية (اللامحدود، واللامتناهي، والخالد) وفي داخله تتشكل استفهامات، وتتشابك مصالح، وتتواطأ أضداد. لأن القوة عالم من الأسئلة المفتوحة.
حديثي عن القوة ليس في بعده العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. لأنها جميعاً ليست أبعاداً للقوة بقدر ما هي انعكاسات لـ (قوة الإنسان) الذي أنتجها من خلال مستوياته البشرية (النفسي والعقلي والجسدي) ولن تقف القوة عند منتجات الإنسان حتى تتواصل وتنسجم في ثلاثية أقوى وأعظم، وهي: (الإنسان، الحياة، الكون) ليتعرف الإنسان على الكون:
ما الذي يحدث فيه؟
والحياة وما هي طبيعتها؟
والإنسان وما هي بشريته؟
في أسئلة العمق التي يكشف العلم بعضاً قليلاً من أجوبتها!! أو حتى يعطي مفاتيح تشير إلى طريق النور لاكتشاف بعض الحقائق في سفر طويل عبر الزمن!!!
كل ذلك يعطينا استفهاماً في البحث عن طاقة أكبر تتجلى للوجود عن مكنونات وحقائق كلها في اتجاه الإنسان وللإنسان (سخر لكم) (خلق لكم) (جعل لكم) مما يجعل الإنسان يتجاوز حدود العقل إلى عوالم الوجود المطلق في (عالم اللامحدود واللامنتهي واللامعقول واللامتوقع) إذ ليس من قوي إلا وهناك أقوى منه، وأن كل قوي من خلق الله فهو قوي بحول الله وقوته:
(لاحول ولا قوة إلا بالله)
(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)
(اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)
هذه القوة المطلقة العادلة تقهر كل من يستخدم قوته المحدودة -مهما كانت- على خلاف عدالتها. الأمر الذي يحتم على الإنسان أن يشكل علاقته مع هذه القوة بطريقة جيدة تبدأ بيقظة الذات، ثم بصيرة النفس، ليحصل بعد ذلك على روعة التفكير على طريق النور، وينكشف له السلوك بوعي. وما لم يكن فإنه -أي الإنسان- سيجد نفسه في معركة الضياع، وللضياع خطورته التي تبدأ ذرة في عالم اللاشعور، وتنتهي كتلة مواجهة عنيفة مع (الذات والمجتمع والفكر).
نحن اليوم أمام تهيئة الإنسان لهذا الوعي، هذا الوعي هو الضيف المجهول القدر الذي نحمله ولا نتعرف عليه، لأننا أغلقنا نوافذ العقل وآفاق النفس، مما حجب عنا تجليات الروح ومواهب الخير وعطاءات السماء:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)
وفي عبارة نورانية لابن القيم يقول:
(حياة الوجود أكمل الحياة، لشرفها وكمالها بموجدها، وهو الحق سبحانه وتعالى، فمن حيي بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة) لتبقى القوة؟ قوة الوجود.