كانت الساعة 17:30 في 7 مايو 1954.بعد »56 يوما و56 ليلة من الصخب والرعب«، »ساد فجأة صمت رهيب ومباغت«، كما قال المخرج بيار شوندرفر الذي وقع في الأسر لدى سقوط معسكر ديان بيان فو المحصن الذي حدد مصير الهند الصينية الفرنسية.ومعركة »ديان بيان فو« قبل 60 عاما، هي رمز هزيمة فرنسا في الهند الصينية ومواجهتها التقليدية الأخيرة الدامية أيضا.كانت الحرب في الهند الصينية مستمرة منذ سبع سنوات في أبريل 1953 عندما شنت حركة فيات ـ مين الشيوعية المنادية بالاستقلال، هجومها الأول الكبير نحو لاوس التي حصلت لتوها على الاستقلال.وقرر الجنرال هنري نافار القائد الأعلى في الهند الصينية أن يدافع عن لاوس في ديان بيان فو القرية الوادعة والممر الإلزامي نحو هذا البلد.وفي نوفمبر 1953، نزل ثلاثة آلاف مظلي إلى ديان بيان فو ليجعلوا منها معسكرا حصينا مزودا بمدرج للطيران تصل عبره التعزيزات والذخائر والإمدادات.وكانت رئاسة الأركان الفرنسية مقتنعة بأن فرق قوات النخبة بقيادة الجنرال فو نجوين جياب ستواجه مشاكل لوجستية وأن مدفعية فيات ـ مين لن تتمكن من قصف المعسكر.وفيات ـ مين المدعومة من الصين، ستثبت العكس.فعشرات الآلاف من «بو دوي» (جنود فيات ـ مين) والحمالين نقلوا مواد غذائية وأسلحة على متن شبكة من الشاحنات والدراجات الهوائية.وفي نهاية يناير، قدر عدد القوات التي تحاصر ديان بيان فو بـ 40 ألف رجل.وفي 13 مارس 1954، واجه 60 ألف جندي من فيات ـ مين 12 ألف فرنسي.وشنت قوات فيات ـ مين هجوما استخدمت فيه قوة نارية لم تكن القيادة الفرنسية تتوقعها.وتبين أن المدفعية الفرنسية عاجزة عن الرد على مدفعية فيات ـ مين المموهة بالكامل.وبات مدرج الطيران الذي دكته مدافع فيات ـ مين غير صالح للاستخدام.ولم تعد الطائرات الطبية قادرة على الهبوط أو الإقلاع لنقل المصابين بجروح خطرة والذين يتكدسون في الطبقات السفلى للمستشفى الميداني.ويقضم مقاتلو فيات ـ مين الذين يتقدمون في خنادق، المواقع الفرنسية التي تتعرض ليل نهار لسيل من القذائف.وفي 28 مارس، هبطت آخر طائرة طبية مع الممرضة جنفياف دو جالار التي ستبقى محاصرة في المعسكر المحصن حتى النهاية.وقالت «في المركز الطبي كان دوي القصف جهنميا وخلال هدنة الصباح كنا نعرف أن مصابين آخرين سيصلون».وخلال شهر أبريل، سقطت نقاط الارتكاز الفرنسية الواحدة تلو الأخرى على الرغم من الأمل الذي كان يحدو رئاسة الأركان بالصمود فترة أطول للضغط على مفاوضات مفتوحة في جنيف في 26 أبريل.وفي 7 مايو 1954، سقط آخر المواقع الفرنسية ووقعت الحامية كلها في الأسر.وبعد 60 عاما، تذكر هوانج دانج فين، أحد آخر الفيتناميين الناجين من المعركة، أن «السماء كانت ممتلئة بسحب دخان عالية سوداء لسيارات محترقة.وكانت الحقول مغطاة بجثث الجنود والعتاد العسكري المدمر».وأضاف دانج فين الذي كان في التاسعة عشرة من عمره «لم يكن من السهل الانتصار على الفرنسيين.لقد خسروا لأنهم كانوا يعتقدون أن فيات ـ مين لا يستطيعون الانتصار في ديان بيان فو».وفي 21 يوليو 1954، وقع اتفاق دولي في جنيف أنهى الوجود الفرنسي في الهند الصينية ورسخ التقسيم السياسي لفيتنام.ولم تتوحد البلاد بصورة نهائية إلا بعد سقوط سايجون في 30 أبريل 1975 الذي أنهى الحرب الثانية في الهند الصينية وكرس انتصار الشمال على الجنوب على الرغم من التدخل العسكري الأمريكي.
وأسفرت معركة ديان بيان فو عن خسارة أكثر من 10 آلاف جندي فرنسي، لقي 1700 منهم مصرعهم في أرض المعركة، وفقد 1400، ولقي 70 % من الـ10 آلاف أسير مصرعهم في الأشهر التي تلت سقوط المعسكر.وهذه أرقام غير قابلة للمقارنة مع المائة جندي فرنسي الذين قتلوا في عمليات منذ 12 سنة وبداية التدخل في أفغانستان، فيما باتت حماية المقاتلين أولوية الجيوش.وقال اللفتنانت كولونيل كريستوف برتران حافظ متحف الجيش «في الهند الصينية خضنا حروبا تقليدية شارك فيها جيشان كانا يتواجهان.في مالي أو في جمهورية أفريقيا الوسطى، نخوض نزاعات غير متماثلة» يشارك فيها جيش نظامي في مواجهة مجموعات مسلحة.وأنتجت الهزيمة الفرنسية بالهند الصينية شخصيات أسطورية مثل الجنرال مارسيل بيجار، أو «ملاك ديان بيان فو» جنفياف دو جالار.أما الحرب العصرية، فتضع القوة في الواجهة، مثل سرفال في مالي وسنجاريس في جمهورية أفريقيا الوسطى.
ديان بيان فو معركة ترمز لهزيمة فرنسا بالهند الصينية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
