إن مفهوم التسامح الفائق الانتشار حقيق بأن يعاد التفكير فيه، كيما يتم تخليصه من التصنيفات السلبية، الظاهرة منها والمضمرة، كالعطف والشفقة والتحمل، وكلها تفضي بنحو أو آخر إلى مواقف الازدراء أو اللامبالاة، إلخ. ففي اللغة اليونانية القديمة لا وجود في العهد الهيليني لأي رديف للكلمة اللاتينية tolerancia؛ وفي المقابل نجد فيها كلمتين أكثر غنى وعمقا: homonoia (التوافق، التقاسم) وthymos (الاستعراف)...أما اللغة العربية، فإن لكلمة التسامح طابعا مائزا متفوقا من حيث صيغتها التفاعلية، فلا يتسنى ترجمتها إلا بكلمة تكون محدثة أو مولدة في لغات أخرى، أي intertolérance.
ومهما يكن من أمر، فالنضال من أجل التسامح بمعانيه اليونانية-العربية لهو نضال شاق وطويل النفس. وبالمثال، إذا كان السبق في تبنيه وتنظيره يرجع إلى فلاسفة الأنوار خلال صراعهم ضد حروب الأديان والمؤسسة الكنيسية، فلا بد أيضا من الإشارة عند الكثير منهم (باستثناء روسو) إلى سوء تقديرهم لسيكولوجيا الشعوب «البدائية» والمجنون والطفل، أو على صعيد آخر إلى ازدواجيتهم المتقلبة بازاء الإسلام، خصوصا عند فولتير الذي يتأرجح موقفه بين التنويه بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام وبالإسلام في Essaisur les mœurs أو في مادة «محمديون» من قاموسه الفلسفي، وبين موقف مناقض له، كما في عمله الأول «محمد»، المسرحية التي يصدرها برسالة موجهة إلى البابا بونوا الرابع عشر قائلا: هذا العمل أكتبه ضد مؤسس فرقة ضالة بربرية una falsa et barbara setta».
من جهة أخرى، ما دامت الحدود بين الأخلاق والسياسة والأيديولوجية غامضة ومتحركة، فإن العمل على الذات يبقى أمرا لازما باستمرار، وذلك حتى يتقي كل منا خطر الركون إلى أي سبات دوغمائي، من شأنه أن يوقنه أنه هو الـمتسامح حقا وأن اللاتسامح لا يحدث إلا من قِبل الآخرين.
التسامح
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
