في مدرسة ثانوية للبنين تمت استضافة شيخ لإلقاء موعظة على الطلاب، الشيخ كبير ومحترم وله خبرة كبيرة في الحياة، وله مشاركات إعلامية في الفضائيات الدينية ومحاضرات المساجد. طبعاً تم إجبار الجميع للجلوس والاستماع له، مع أن هناك مطالبة من بعض المعلمين بجعل أمر الحضور اختياريا، وبالذات كان هناك اعتراض من معلمي المواد العلمية بحجة قرب انتهاء الفصل الدراسي وحاجتهم الماسة لكل حصة دراسية. ابتدأ الشيخ موعظته؛ وكان الحضور يأملون أن تكون تفاعلية تخاطب العقل والروح، ولكن كانت تقليديّة بأسلوب تقريري سوداوي متشائم من الحياة ومن الناس، مليئة بالعبارات السلبية والنقولات التي تدعو للإحباط، وكان أسلوبه أقرب لمن يقول اسمعوني واتبعوني أهدكم سبيل الرشاد، ولا أريكم إلاّ ما أرى! وكانت تلعب على وتر العواطف واستمالة الشباب بتهويل الصوت وتفخيمه وترقيقه من حين لآخر.
ذكر الشيخ الواعظ حديث: «الجنة تحت أقدام الأمهات» وأسهب إسهاباً في حث الطلاب على البر بالأم وتقبيل رجلها بدلاً من تقبيل اليد والرأس!! ومن عجيب ما ذكر تقبيل التراب الذي تمشي عليه! ولا أدري ما علاقة التراب بالبر؟! وللعلم هذا الحديث يقول عنه الألباني: (حديث موضوع)، وفي موضع آخر قال: (حديث منكر)! طبعاً هذا لا ينقص من قيمة البر بـ(الأم)؛ ولكن ألم يجد في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية ما يغني عن الأحاديث المكذوبة؟ لم يذكر الشيخ في موعظته ولا آية قرآنية في هذا الشأن، ولم يذكر البر بـ(الأب)! وهنا سؤال بسيط لأهل العلم والفتوى: هل فرّق الله تعالى في القرآن الكريم بين البر بالأب والبر بالأم؟! فكل آيات القرآن تقرن بينهما (وبالوالدين إحسانا).
انتقل واعظنا للحديث عن الصلاة فقال: من لم يصل الفجر في جماعة بالمسجد فقد خرج من ذمة الله! ومن أخّر الصلاة عن وقتها فقد خرج من الإسلام وكفر بالله! ولم يذكر لهم سماحة الإسلام في عذر النائم ولم يذكر لهم بأن جميع المذاهب الإسلامية الفقهية (ما عدا الحنابلة) يرون أن صلاة الجماعة في المسجد (سنّة) وليست واجبة وليست شرطا لصحة الصلاة. السؤال الآن: لماذا الخوف من عرض كل الأقوال في المسألة الفقهية الواحدة؟ بمثل هذه المواعظ المنفرة نفتح باباً للشباب بالتملص من الدين، عندها قد تنتشر بينهم نزعة الإلحاد ومعاداة الدين، فإلى متى ندعو إلى الفضيلة بالكذب والتدليس والتهويل والتخويف؟! متى يدرك الوعّاظ أن عقلية المتلقي اليوم هي غير عقلية متلقي الأمس؟! وأين دور وزارة التربية والتعليم في اختيار الخطاب الوعظي المناسب المبني على التيسير والترغيب والتسهيل الذي يُلقى على طلابنا وطالباتنا في المدارس؟!