قد لا أكشف سراً إن قلت إنني وثلةٌ من الزملاء الكتّاب نناقش - غالباً - المواضيع التي لا نفهم!
وقد بررتها من قبل بأن المشكلة ليست بكون الكاتب لا يجد ما يقوله، بل المشكلة الأكبر عندما يجد الكثير من الأشياء التي لا يستطيع قولها، وبين المشكلتين تكمن المشكلة الوسطى التي تعرفها وتعرف أسبابها كما تعرف أن من ارتكبها بمأمن عن المساءلة، كون «الفاعل» يتكئ على ثغرة قانونية، وسيضع إصبعه في عينك وفي عين أخلاقياتك، وسينفي ما تقول ويهددك بما نصّ عليه نظام المطبوعات!
وفي هذه المقالة لن أُناقش ما لا أستطيع قوله، ولا المشكلة الأخيرة التي يراها المواطن مشكلة فيما المسؤول يرتكبها كفعل نظامي أو على الأقل فعل في حدود المُباح أيّ لم يجرّمه القانون، إنما سأكتفي بمناقشة الموضوعات التي لا أفهمها، وفي هذا السياق لن أُمارس تواضعا ممجوجا، إنما سأفتخر حد الغرور بأنني أتكئ على جهل عظيم في الكثير من الأشياء.
من هذه الأشياء أنني لا أفهم دور (المجالس) كالمجلس المحلي والمجلس البلدي، فالمجلس المحلي للمناطق يختاره أمين المنطقة ومن ثم يترأسه، وهو مقصور على (الأعيان) – أتمنى على الصديق المدقق اللغوي أن لا يغيرها فتصبح (العيون) فيتغير معناها المقصود، ودورها أيضاً!- والاعتراض ليس فقط على الاختيار أو التعيين بحد ذاته، إنما أمارس الاحتساب هُنا لأن هذه الطريقة فيها جلب للمفسدة (ولو بطريقة غير مباشرة)، فمثلاً في اجتماع المجلس المحلي الذي يترأسه أمير المنطقة أو المحافظ بحضور الأعيان/ الأعضاء سيقترح الرئيس اقتراحا ما يهم المنطقة، يشرح لهم الفكرة والفائدة من هذا المشروع، وقتها لن يكون بمقدور العضو أن يعترض، فلا (برستيج الأعيان) يسمح له بذلك، ولا أخلاق (الرجل) تجعله يُصادم من اختاره ليكون من الصفوة، فالعضو يشعر بالامتنان تجاه الرجل الذي توسم فيه ملامح (الأعيان)، أنا فعلاً لا أفهم الغرض من وجود هذا المجلس، ولا أعرف أيضاً إن كان وجوده بهذه الأهمية لماذا
لا يكون الاجتماع خارج الدوام الرسمي ليأخذ على الأقل المنحى الاجتماعي لكلمة مجلس، ويكون المجلس المحلي أكثر رسمية بعضوية مسؤولي الإدارات الحكومية بالمنطقة؟
وقسّ على المجلس السابق شقيقه المجلس البلدي (الأعيان في اللغة تعني أيضاً الأشقاء)، فرئيس البلدية الذي اُبتلي بهؤلاء وجد نفسه مجبراً
لا بطلا في أن يثرثر معهم بين الفينة والأُخرى، فبوجود فريق في كل بلدية من شؤون هندسية ومالية وإدارية ما جدوى أعضاء المجلس البلدي؟
السؤال أجاب عليه أحد الأعضاء في فورة الحملات الانتخابية بأن دور الأعضاء هو رقابي!
ويبدو أنه نسي في غمرة الحماس أن من يأمل أن يُراقبه سيكون هو رئيسه، ولنفترض أن الرئيس قال للأعضاء: بصفتي رئيس المجلس البلدي فإنني أدعوكم إلى عدم المجاملة وكتابة ملاحظاتكم على أداء البلدية، وسأرفعها بدوري للجهات العُليا لتحقق بها، وتعاقب رئيس البلدية (رئيس المجلس البلدي)، ولمتعة الخيال سنكمل الحكاية.. سيرفع رئيس المجلس البلدي خطاب شكوى مرفقة بتقارير دقيقة عن التجاوزات التي تبينت من الجهة الرقابية، وبعد فترة سيأتي إعفاء مدير البلدية، وسيحتفل رئيس المجلس والأعضاء بتنحيته، وسيرمي رئيس المجلس (عقاله) ويحتفل مع الأعضاء بـ(إعفائه)!
الحقيقة أن أغلب أعضاء المجلس البلدي لا يملكون المؤهلات التي تجعل أحدهم يستطيع أن يناقش أصغر موظفي القسم الهندسي، أو يستطيع «فكّ أرقام « مسيّر الرواتب!
أوشكت المساحة على النهاية وأنا لم أكشف من جهلي سوى القليل، وأخشى أن يبزني الزملاء بالجهل، ومع هذا أجهل لماذا نُصر على (الهدر) في مجالس نعلم وتعلم هي أن لا فائدة منها سوى الـ...(لا أعرف)!