في إحدى السنوات الماضية طرحت وزارة التعليم العالي على الجامعات السعودية مشروع إنشاء مراكز متخصصة تعنى بأحد جوانب المعرفة؛ فتقدمتُ إلى عميد كليتنا باقتراح إنشاء مركز للوثائق التاريخية المخطوطة الخاصة بالمنطقة، وذلك بجمع كل وثيقة تاريخية مضى عليها مائة سنة فأكثر -وفي المنطقة آلاف الوثائق التاريخية الخاصة بالوصايا والمبايعات والأملاك- ومن ثم القيام بفهرستها، وتبويبها وفقَ السنوات، والبلدان، ونوع النشاط، وتحويلها إلى نسخ الكترونية؛ لتكون مرجعًا للدراسة التاريخية عن تاريخ المنطقة، وعاداتها، ونمط معيشتها، ونشاطات السكان، ودراسة تطور لهجتها، وقد رحَّب العميد بذلك الاقتراح، لكن الاقتراح حينما نوقش رأت الأغلبية استحالة تحقيقه؛ إذ لن نجد من الأهالي تجاوبًا كما نؤمل؛ لعدم إدراك أهمية ذلك، ولا ملامة على الأهالي فهم نتاج بيئة اعتمدت على الثقافة الشفهية، ولم تترسخ فيها بعدُ حركةُ التدوين والتوثيق، بل لم يستطع الغالبية في مجتمعنا السعودي من المثقفين من أساتذة الجامعات وغيرهم الانعتاق من أسْرِ تلك الثقافة، فحينما جاء الباحث الفرنسي استيفان لاكروا إلى السعودية لإعداد بحثه عن (الصحوة الإسلامية في السعودية) كنت ممن أجرى معهم مقابلات، وزودتُهُ بالمعلومات التي سأل عنها، وبعد طبع الكتاب اتصل بي كثيرون ومنهم بعضُ كبار الحركيين يتساءلون، وبعضهم مستغربٌ، وبعضٌ آخر مستنكر، وقال لي أحدهم محتدّا: لقد خرج كتابُ ذلك الفرنسي بأمورٍ ودِدْنا أنه لم يطرحْها، أو على الأقل ودِدْنا أنْ لو كانت حسبَ وجهةِ نظرنا، وكان جوابي لهم: لا تلوموني، ولوموا أنفسكم، فالتاريخ لا ينتظر أحدًا، اكتبوا أنتم مذكراتكم، وسجلوا تاريخكم، وتاريخ حركتكم؛ لتكون كتاباتكم مرجعًا وثائقيًّا بأقلام أبناء الحركة الإسلامية في السعودية أنفسهم، هكذا هو مجتمعُنَـا يظلُّ مجتمعَ الثقافةِ الشفهية؛ وكلُّ سنةٍ يذهب قسطٌ من تاريخنا بموت عالمٍ أو مثقفٍ أو خبيرٍ كانت له مكانته الكبيرة في مجاله.
وماذا عن الجانب الرسمي؟، لا أعلم جهةً بحثيةً معنيَّةً بالتوثيق سوى دارة الملك عبدالعزيز، فلها جهد كبير في توثيق تاريخ الجزيرة العربية، وحفظ تراثها، ومركز الملك الفيصل في توفير المراجع والكتب والمخطوطات، وخدمة الباحثين في هذا المجال، أما جوانب حياتنا الأخرى المعاصرة فما زالت بكرًا لا تكاد تجد توثيقًا لها، فالمفترض في وطن بحجم وطننا في اتساع مساحته، وتنوع مناطقه، واختلاف عادات كل منطقة عن الأخرى، وتعدد مذاهبه الدينية والفقهية أن يكون فيه العشرات من المراكز البحثية المتخصصة التي تخدم الباحثين في توفير الإحصائيات، والوثائق، والاستبانات، والوسائل في موضوعات بحوثهم؛ فمثلا من يريد أن يدرس واقع المرأة في السعودية فمن أين يستقى مادةَ بحثِهِ؟، وأين يجدُ الدراساتِ السابقةَ إن وجدتْ؟، ماذا لو كان لدينا مركزٌ أو اثنان أو عشرة متخصصة في دراسة قضايا المرأة، وما يتعلق بها من عمل المرأة، والعنف ضد المرأة، والتحرش بالنساء، والاغتصاب، والعنوسة، والطلاق، وأدب المرأة، ونشاطها الاقتصادي؟، ومراكز عن الشباب وقضاياهم، كقضايا المراهقة، والبطالة، وتجربة الابتعاث، ومراكز متخصصة في دراسة الأدب الشعبي، ومراكز متخصصة في الجانب الصحي عن الأمراض المنتشرة كالسكري، وضغط الدم، والسمنة، ومراكز في النشاط البيئي، ومراكز في النشاط الاقتصادي، ومراكز متخصصة في قضايا العمالة، ومراكز لدراسة الظواهر التي تنشط أحيانا كقضايا الإرهاب، والدرباوية، والتفحيط، ومراكز في دراسة الجريمة، ومراكز في دراسات الإعلام والصحافة، ومراكز لدراسة الفنون من غناء ومسرح وتصوير ورسم تشكيلي، مراكز لا تدع صغيرة ولا كبيرة من قضايا إلا وتخضعها للرصد، والتتبع، وتقوم بجمع المعلومات، وتصنيفها، وطرح الاستبانات، وتخزين كل ذلك ليكون مرجعًا للدارسين والباحثين، وأصحاب القرار، ووثائق تاريخية للأجيال القادمة، أعيد السؤال: ماذا لو كانتْ لدينا؟