قال لي محدثي: في كثير من الأحيان التي يتسنى لي تصفح بعض المقالات لكتاب زوايا لهم وجود شبه يومي وظهور صحفي ملحوظ، يتعمدون الحديث حول مواضيع يرون أنها من قبيل الإثارة، ويحسبون أنهم بذلك الوجود والحضور كباراً ضمن منظومة المفكرين والمؤثرين في الساحة الثقافية!.
مع أن بعض هؤلاء الكتاب رغم حضورهم شبه اليومي في الصحف، وقد يكون في أكثر من صحيفة، إلا أنك حين تقرأ لهم موضوعا فإنك تخرج منه دون أن تفهم مقصده وما يريد أن يصل إليه، عبارات مهلهلة غير مترابطة وفكرة عائمة وكلمات غير متناسقة متنافرة يشوبها كثير من الأخطاء. ومن خلال هذه الأخطاء وركاكة العبارة وهشاشة المعنى وارتباك الفكرة فإنه يتأكد لي في كل مرة أن أمثال هؤلاء الكتاب ليسوا على مستوى تطلعات القراء الذين يريدون الحصول على معلومة جديدة ذات قيمة إضافية، كما أنهم لا يستندون على مصادر فكرية عميقة، تتناسب مع هذا الحضور الإعلامي المكثف منهم. وهذه الأخطاء والنقص والقصور الذي يظهر من حين إلى آخر على كتاباتهم أرى أنه يكاد ينطق معه لسان الحال منادياً دع الكتابة!؟
وبتدقيق النظر في حال هؤلاء الكتاب نجد أحد أمرين، إما أنهم يكتبون على عجل دون اختيار الفكرة المناسبة وترسيخ معانيها في أذهانهم، وإجالة الفكر حولها قبل البدء في الكتابة ومعرفة مدى مناسبة الفكرة ومدى استفادة القارئ منها، فهم لا يراعون ذلك كله قبل البدء في الكتابة، بل يهجمون على الكتابة دون تريث أو تمهل وبعد الانتهاء من الكتابة مباشرة يتخلص من الورقة ويرسلها للصحيفة، ولا يكترث بفكر القارئ ولا يحترم مكانته ولا يدرك قيمة الكتابة فالمهم عنده ظهور المقالة وحسب.
وإما أن يكون هذا هو الواقع الفعلي لفكر ومستوى ثقافة الكاتب وقدرته وهذه بضاعته وعدته وعتاده، ولا يوجد لديه أفضل مما كان، فالجود من الموجود، فهذه هي البضاعة وتلك هي الأدوات ولا شيء غيرها، وبالتالي فلو أعيدت الكتابة مئة مرة فلن يغير من الأمر مثقال ذرة!. وتساءل محدثي في آخر حديثه عن دور الصحف في حجب مثل هذا الكتابات ويرى أن العبرة في إجازة المقالة وإبرازها واختيار موقعها في أي صحيفة هو ما تتضمنه تلك المقالة من فكرة ومعنى وهدف وليس لمجرد كون الكاتب فلان أو فلان أو أن موقع هذه الزاوية محجوز، لأن الصحيفة حين تقوم بإبراز المقالة التي توفرت فيها الفكرة الرائعة والهدف السامي والطرح الجميل والأسلوب الأخاذ واختيار موقع مناسب لها فإن ذلك يخلق بين الكُتاب التنافس والسعي للارتقاء بعملهم الكتابي وأفكارهم لتي يطرحونها!؟.
قلت لمحدثي: إن ما تقوله قد يكون له وجه من الصحة والصواب، فكان على كل كاتب أن يدقق فيما يكتب، لأنه حين يكتب في موضوع لا يستفيد منه المجتمع عامة والقارئ خاصة، فإنه من قبيل العبث، والأعمال العبثية دائما مزرعة الأخطاء ومنبع القصور. والمسلم يجب عليه الابتعاد عن أي عمل لا يضيف لسجله فائدة.
وفي الحالتين اللتين ذكرهما محدثي نجد أن الكاتب يرتكب في حق نفسه ومجتمعه أخطاء فادحة ظاهرة، فقد يكون فيما كتب حجة عليه وليس له، ثم إن قيامه بمثل هذا الفعل قد يكون سببا في تعريته وكشف المستور من ضحالة فكره وقلة بضاعته وفقدان أدواته الثقافية والمعرفية.
قد يكون العذر لمبتدئ في الكتابة يعجبه أن يرى اسمه وصورته في الصحيفة ولا يعبأ من قريب أو بعيد بمضامين المقال، وحال هذا كالمراهق، يهتم بالقشور ولا يعنيه المضمون، يسعى لهدف كما تسعى الفراشة إلى النور، ولهذا فلن نتحدث عن مثل هذا سواء كان ضعف الفكرة أو رداءة الأسلوب أو تنافر العبارات وغياب الهدف وضبابية الرؤية، لأنه قد يكون مبتدئاً والبدايات عادة يشوبها القصور والنقص وغداً قد يتلافى تلك الأخطاء، فيصبح علما ورمزاً ثقافيا يشار إليه بالبنان، ولكن المشكلة في من يرى أنه بلغ من المجد هامته، وأنه تصدر موكب النخب الثقافية، وحقيقته مجرد فقاعة صابون لا تلبث أن تتلاشى وتزول. فالكاتب الكبير في مجال الفكر والأدب لا يقاس بمدى حضوره على الساحة أو إنتاجه الغزير الهش والغث، ولكن يقاس دائماً بمضامين وعمق الأفكار وقوة الطرح، وبلاغة الأسلوب وإجادة الصياغة وتناسق العبارات، ووضوح الرؤية والهدف، واحترام عقل وفكر القارئ، ثم فوق ذلك سلامة المبادئ ونبل الأهداف وسمو المقاصد، كل ذلك يجعل من الكاتب كبيراً يشتاق القراء لمطالعة إنتاجه والتلهف على الحصول عليه، حتى ولو كان ذلك الإنتاج قليلاً، إلا أنه يصبح كالذهب من ندرته يرتفع ثمنه.
كتاب الزوايا في صحافتنا بين الإثارة والموضوعية!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
