واجه الموسيقار محمد عبدالوهاب في بداياته نقداً لاذعاً، بلغ مداه بالمونولوج الذي كتبه أمير شعراء الزجل الحاج/ بيرم التونسي، بعنوان (يا أهل المغنى) ولحنه وغناه الشيخ زكريا أحمد ومنه:
(رُدِّي عليه يا طيور بينادي/ وارمي له الجناحين/ وانتا كمان يا بابور الوادي/ قل له رايح على فين/ قل له إياك يرتاح يا بابوره/ ويريحنا معاه/ يا أهل المغنى/ دماغنا وجعنا/ دقيقة سكوت لله)!
ودخل عبدالوهاب في حالة اكتئابٍ حادٍّ فاعتزل في بيته لم يخرج منه قرابة الشهرين، حتى عاد أمير شعراء الفصحى/ أحمد شوقي، وكان قد آمن بموهبته وتبنَّاها وعلم بمحنته من صديقه الأثير (علي) ابن شوقي، فتوجه بسيارته الفارهة إلى (باب الشعرية) حيث يسكن عبدالوهاب، وطلب جميع الصحف التي انتقدته بقسوة، وأمره أن يضعها فوق بعضها على الأرض، ثم أمره أن يصعد فوقها وسأله: هل زاد طولك أم نقص؟
والرسالة واضحة تماماً وهي: أن النقد مهما كان قاسياً، وسواءٌ كان بصدق نية أو بحقدٍ طَوِيَّة فهو لا يزيد المبدع إلا صعوداً وسمُوَّاً بشرط أن يرد عليه بالعمل لا بالكلام!
ودارت الأيام ومرت الأيام، وأصبح عبدالوهاب (أستاز الأساتيز) وإذا به ينتقد الجيل الجديد (جيل هاني شاكر ومحمد الحلو) بأن أغانيهم مثل النكتة: تسمعها أول مرة فتضحك، وتسمعها ثانية فتقول: قديمة، أما الثالثة فتبقى بايخة أوي!!
إذن: فصراع الأجيال حتمية تاريخية تحكمها الظروف الزمانية والمكانية والمكزانية والزمكانية، والفيصل فيها هو المزاجية الجماهيرية المتقلبة من جيل إلى جيل، فحاشا أن نزعم أن نقدنا لإذاعات (إفففف قم) هو الحق المبين، ولكن الباطل الأبين هو ممارسة القائمين عليها الوصاية على الجماهير زاعمين أن (الشباب يبغون كذا يا شاكوش)!!
لهؤلاء الأوصياء نهدي الحلقة (316) من برنامج اليوتيوب (إش اللي) حيث يمسخر الشباب الفنان الكبير/ محمد عبده، وسيأتي الدور على المفكرين نيابة عنهم في تلك الـ(إفففف قِمَّات)!!