في خطوة حضارية، ترمز للشفافية وتؤكد الوضوح، دشن سمو أمير منطقة المدينة مؤخرا برنامج «أداء» لرصد مشروعات منطقة المدينة الكترونيا عبر الشبكة العنكبوتية، ويهدف بطبيعة الحال إلى متابعة ما يجري على أرض الواقع من مشاريع تطويرية، وكانت النتائج مخيفة تمثل فاجعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإليك – عزيزي القارئ– النتائج باختصار:
355 مشروعًا (متعثرة)، و176 مشروعًا (متأخرة)، و4 مشاريع (متوقفة)، و121 مشروعًا (منضبطة بالخطة الموضوعة زمنيًا)!
وكانت نسبة التوقف للمشروعات 0.6% والمتأخرة 26.3% والمتعثرة 54%، والملتزمة بالخطة 19%. وقد رصد البرنامج أن عدد المشروعات الجاري تنفيذها 667 مشروعا، وأن المشروعات الملتزمة بالخطة تعني أن نسبة المدة المنقضية ناقص نسبة الإنجاز أقل من 20%، والمتأخرة تعني أن نسبة الإنجاز متأخرة بنسبة أكبر من 20% وأقل عن 50% عن نسبة المدة المنقضية، والمتعثرة تعني أن نسبة الإنجاز ستصبح متأخرة بنسبة أكبر عن 50% عن نسبة المدة المنقضية، وإذا كانت نسبة المدة المنقضية أكبر من 100% والإنجاز أقل من 80% فيصنف العقد بأنه متعثر.
هذا هو حال مشاريعنا: تعثر وتأخر، وإن شئت فقل تقهقر بدلا من توقف، والأسباب ليست محددة، لكنها قطعا تدور حول نظام غير محكم وبنود عقود غير دقيقة، جعلت كل مقاول يمعن في عدم المبالاة وقلة الاهتمام.
ويحضر هنا تصريح لسمو أمير منطقة تبوك نشرته صحفنا قبل أيام قليلة، ذكر فيه صراحة أنه لا عذر في تأخير المشروعات، معللا ذلك بأن الميزانيات مرصودة بالكامل!
وفي ذات النطاق صرّح وزير البترول أن مشروع الجوهرة المشعة بجدة الذي دشنه خادم الحرمين الشريفين لم يستغرق عاما، كأسرع مشروع قامت به أرامكو السعودية، ويمثل أسرع ملعب يتم بناؤه في العالم.
هذا المشهد يجعل المتابع ينتابه شعور من الاندهاش، ويرتسم أمامه عدد من علامات التعجب، فإذا كانت الميزانيات مرصودة، فما مبرر التأخير، فضلا عن التعثر أو التوقف؟
أؤكد هنا أن المسألة لا تخلو من وجود فجوات واختراقات في الأنظمة وبنود العقود غير الدقيقة، وقبل ذلك كله نظام مالي قديم، أرجو أن يعاد النظر فيه، وهو ترسية المشروعات على الأقل عطاءً، والجميع يعلم أن ذلك سيكون قطعا على حساب المواصفات.
والعجيب في الأمر أن المقاول الذي يتعثر أو يتأخر نجده في موقع آخر، فالنظام يكفل له الدخول في المنافسة، وبعدها يقدّم عطاء يكون هو الأقل بطبيعة الحال، ليتكرر السيناريو مجددا، وهكذا بلغت مشاريعنا المتعثرة في المدينة فقط 355 مشروعًا!
ليتنا نستفيد من الدروس، ونخضع كل أمورنا الحياتية للبحث العلمي الدقيق، فالمشروع الذي يتعثر يفترض دراسة أسباب تعثره والوصول لخطوات علاجية يراد من خلالها عدم تعثر مشروع آخر، وبطبيعة الحال لن يتوقف مشروع مطلقا.
واقعنا – مع بالغ الأسف – لا يوحي بذلك، والدليل وجود آلاف المشاريع في أرجاء مملكتنا، وهنا يرجى تعميم مثل هذا البرنامج «أداء» على جميع المناطق، ليجد المتابع والراصد بغيته، ولعله يكون منطلقا لإيجاد الحلول العملية التطبيقية لعدم تعثر المشاريع، فمع عدم وجود المبررات يفترض ألا يكون هناك تعثر أو تأخر ولا توقف إطلاقا.
إن المتأمل يجد أن مشروع ملعب الجوهرة المشعة كان يراد منه أن يوصل رسالة مفادها: المقاول القوي ذو الإمكانات الكبيرة، مع توفير الميزانية اللازمة، والإشراف الدقيق..كل هذا يعني سرعة الإنجاز.
ومن هنا كانت المطالبة بإبعاد كل مقاول ضعيف الإمكانات، محدود القدرات، عن كل مشروع تنموي تطويري يتعلق بالمواطن، فالعملية فاقت الحد ولا يمكن أن يحيط بها الوصف، حتى إنك تجد مشروعا يمكث سنوات وهو يعطّل المصالح، ويسبب القلق لكل من يرتاد ذلك الموقع، ولا رقيب أو حسيب، ومن هنا أنادي بتفعيل مشروع «احترام الإنسان»، بحيث يعلن عن المشروع وتوقيته بشكل لافت!
وبمناسبة إطلاق الديوان الملكي لموقع التواصل، فإن تعميم مثل هذا البرنامج يمثل – في تصوري – ضرورة آنية، وخطوة عصرية، ويندرج ضمن الإصلاحات التي ينادي بها مليك هذه البلاد، والشفافية التي يؤكد عليها دوما، أيده الله. والأهم هو إعادة النظر وبشكل عاجل في آلية ترسية المشاريع، وإيجاد نظام صارم وعقوبات رادعة تجعل كل مقاول يأخذها في الحسبان، لتكون النتيجة بإيجاز هي سرعة ودقة الإنجاز، فهل يتحقق ذلك؟
مشاريعنا تتعثر..والجوهرة تبدد العذر!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
