من الصعب التفكير في أي وقت بهذا الأفق الضيق. الشؤون الدولية تقريبا اختفت من جدول أعمال الحكومة البريطانية وانصب الاهتمام على الشؤون الداخلية بشكل كبير. بالرغم من تزايد عمليات القتل في سوريا وتصاعد المواقف العدائية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن اهتمام التلفزيون يكاد يكون محصورا في بعض الإشاعات التي تحيط بالأسرة البريطانية المالكة وقضايا التمييز العنصري في الشارع البريطاني.
بعض أسباب هذا التراجع يشمل ردة الفعل ضد مرحلة جورج بوش وتوني بلير، الأزمة الاقتصادية التي جعلت الناس يفكرون كيف سيدفعون فواتيرهم أكثر من تفكيرهم في أي قضية خارجية. لكن هناك سببا آخر لابتعاد بريطانيا عن الشؤون الدولية، وهو أنه لم يعد أحد متأكدا أين يجب أن يقف. في القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية، لم تعد الفوارق بين اليمين واليسار واضحة وبلا معنى. ولكي تتضح درجة الارتباك على الساحة الدولية، دعونا نأخذ تطورات الأزمة في أوكرانيا مثالا.
منذ فترة ليست ببعيدة، كان أي سياسي من التيار المحافظ سيسارع في شجب وإدانة الاستبداد الروسي. اليوم، يمكن سماع الكثيرين من المحافظين يمتدحون في مجالسهم الخاصة رجل الكرملين القوي. هناك برنامج وثائقي أنتجته مجموعة (بروجس جروب) المحسوبة على المحافظين يلقي اللوم في قضية غزو أوكرانيا ليس على الرئيس الروسي بوتين ولكن على تدخل التكنوقراط من الاتحاد الأوروبي.
بعض الأغبياء يمكن العثور عليهم أيضا بين السياسيين والصحفيين المحسوبين على ما كان يسمى التيار اليساري. أحد كتاب صحيفة الجارديان البريطانية قال مؤخرا إن قيام روسيا بضم منطقة شبه جزيرة القرم كان نتيجة ما أطلق عليه “التوسع الغربي”. الكاتب قال إن ضم روسيا لهذه المنطقة هو نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل تسعينات القرن العشرين. قد تكون هذه وجهة نظر تحليلية للأزمة في أوكرانيا، لكنها ليست وجهة نظر تعتمد على الواقع. السبب الرئيس لانهيار الاتحاد السوفيتي هو أن الدول التي كان يتشكل منها وصلت إلى مرحلة لم تعد تستطيع فيها قبول فكرة أن يحكمها بعض كبار السن في موسكو. قد يكون ذلك “كارثيا” بالنسبة للكرملين، لكنه بالتأكيد ليس كذلك بالنسبة لمبادئ الديموقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. من الصعب هذه الأيام أن نتخيل شعوب دول مثل ليتوانيا ولاتفيا، واللتين أصبحتا دولتين ديموقراطيتين عصريتين، تقبل حتى التفكير في العودة تحت جناح رجل الاستخبارات السوفيتية السابق الذي يجلس في الكرملين الآن، ولذلك السبب انضمت هذه الدول إلى حلف شمال الأطلسي في أسرع وقت ممكن.
آخرون محسوبون على التيار اليساري أشاروا إلى نفاق الغرب في إدانته دخول القوات الروسية إلى شرق أوكرانيا. بسبب غزو العراق، أو كوسوفا. بحسب رأي هذا الفريق، نحن في بريطانيا لا نملك “السلطة الأخلاقية” لكي ندين الآخرين بسبب انتهاكهم القواعد والقوانين الدولية، مهما كانت هذه الانتهاكات فاضحة وسيئة. مشكلة هذا النوع من التفكير هي أن “الغرب” لم يكن هو الذي قام بغزو واحتلال العراق. بالنسبة لنا كبريطانيين، الإدارة الخاصة التي كانت موجودة في بريطانيا في الفترة 2001-2005، وهي إدارة توني بلير، هي التي شاركت في إسقاط صدام حسين. رئيس الوزراء السابق توني بلير غادر منصبه منذ أكثر من سبع سنوات. هذا هو جمال الديموقراطية: بإمكان الشعب أن يتخلص من القادة الذين يرى أنهم يسيئون التصرف ولا يعملون على خدمة مصالح بلادهم بالشكل الأمثل. هذا ليس الحال بالنسبة لروسيا، حيث إن فلاديمير بوتين قد سرق عمليا من الشعب الروسي الحق في أن يتخلص منه بشكل سلمي عن طريق صناديق الاقتراع.
ليس من الصعب أبدا فهم الأسباب التي تجعل الفكر والاتجاه السياسي الذي يمثله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستهوي نوعا معنيا من الذين يفترض أنهم من التيار المحافظ. الرئيس بوتين أثار إعجاب المحافظين بمواقفه المتشددة من المثليين واعتبروه من زعماء “القيم التقليدية” على الساحة الدولية، وهم يقارنونه ببعض رموز التيار المحافظ، من أمثال رئيس الوزراء دافيد كاميرون، الذين لا يملكون مثل مواقف بوتين الأخلاقية الواضحة.
إن ما يجب أن يثير قلق أي شخص عاقل هو مدى القبول الذي يلقاه الثناء على أحد ضباط الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) السابقين من كافة ألوان الطيف السياسي، بل ومحاولة العثور على أعذار له. تماما كما كان عليه الأمر خلال الحرب الباردة، روسيا استطاعت الآن أن تجعل أشخاصا محترمين يقولون أشياء سخيفة. في الحرب الباردة كانوا يدفعون ثمن أخطائهم. أما الآن فليس هناك من يحاسبهم.