كان «السقا يعرف وجه المتغدّي» -في زمن الزّفة والزير والمغراف- يوم كان أهل البيوت يرون هذا الزائر اليومي.. تنبئهم بمقدمه أنفاسه المتقطعة، وخطواته المثقلة بما يحمل، ونداؤه المتكرر: «يا ساتر.. يا ساتر».. أو يسبقه «البغبغان» الفصيح بهذا التصريح: «السّقا جا.. السقا جا».. يكررها بلا ملل.. وهو يقلّب فيه النظر متفحّصًا.. فإن آنس منه التفاتة على باب أو دولاب أمطره بوابل من السباب.. يصبها عليه من رأسه حتى قدميه.. كأن يقول له مثلاً: «ارخ عينك».. أو ينبه أهل البيت: «السقا بيطالع.. السقا عينه طويلة»!
وهذا المخلوق الفصيح -يا ولدي- مثل «المسجل».. يحفظ ما يسمعه عن ظهر قلب من صغار البيت أو كبارهم ويكرره.. لكنه يربط ما يحفظه من أهل البيت الذين يعرفهم بأسمائهم ووجوههم.. ولو قُدّر لـ»البغبغان» أن يترافع عن نفسه لاعتذر مثل «يونس شلبي» وهو يقول لرمضان السُكّري في مسرحية «العيال كبرت»: «يحرق قلبك بالقاز وإنتَ جاي من الحجاز»، ولقال بعدها «يخرب بيوتهم، بيحفّظوني غلط»!
تلك هي قصة الأمس التي تتجدد بالتكرار بين الكبار والصغار.. فإن سمعت من صغير ما يسوء فاعلم أنه حيوان لاقط مثل ذلك «البغبغان».. فلا تستكثروا على إناء أن يجمع ما استودعناه..
كان كبار الناس إذا ما أرادوا أن يتبادلوا حديثاً، فيه ما فيه مما لا يناسب الصغار، تلفتوا حولهم.. فإن رأوا صغيرًا مقبلاً نبهوا المتحدث بهذه العبارة التي ذهبت مثلاً وحكمة: «الحمام لا يلقط الحَب»!
والله لو سقط الحائط الرابع من كل بيت لرأيتم العجب، ولعلمتم ولسمعتم الفصل الثالث من العرض الأخير.. وعلى رأي يوسف بيه وهبي: «وما الدنيا إلا مسرح كبير»!.