يبدو أن التحدي بين وزارة الإسكان والمستثمرين العقاريين وصل ذروته، فكلما أعلنت الوزارة عن خططها لخفض أسعار الأراضي والعقارات، إلى أدنى سعر، ظهرت في الطرف الآخر مجموعة تقلل من شأن هذه التصريحات وتلك الخطط وكأنها ضرب من الخيال، مرة بحجة أن مشروعات الوزارة السكنية تخص الأرامل والأيتام ولا تغطي إلا 20% من حجم الطلبات، ومرة أخرى بحجة أن الأسعار ما زالت ترتفع غير مهتمة بتلك الخطط، وثالثة بحجة أن السوق مملوك لمجموعات محدودة تستطيع التحكم فيها كيفما تشاء.
في الماضي كانت الحرب مشتعلة بين المستثمرين والمستهلكين، وكانت الغلبة دوما للمستثمرين على حساب المواطنين الذين يرضخون للواقع المفروض عليهم، مما كبح جماح الكثير من المواطنين الذين يريدون مأوى لهم ولأبنائهم، كل ذلك تم عبر سنوات طويلة على مرأى ومسمع من الحكومة، التي لم تكن راضية عن الوضع، فقررت التدخل بإنشاء وزارة الإسكان، وتكليف وزيرها بوضع خطط مستقبلية تنهي هذا الوضع الذي تجاوز كل الحدود.
تسلم الوزير مهامه بميزانية عالية – لا أبالغ إذا قلت إنها تكفي لبناء مدينة كاملة – لكن المشكلة ليست في المال، بل في الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب على مدى عشرات السنين سواء من حيث المباني السكنية التي يقيمها المستثمرون أو من حيث قروض الإسكان التي بقيت عدة سنوات لا تتجاوز 300 ألف ريال، في معظم الأوقات يتسلمها الورثة أو بعضهم.
لم يكن الطريق أمام وزير الإسكان مفروشا بالورود، خاصة أمام مجتمع عانى كثيرا ولا يريد الانتظار أكثر، وأمام مستثمرين أصبحوا يشعرون أن الأمور بدأت تتفلت من بين أيديهم، ويحاولون قدر المستطاع تعطيل خطط الوزارة حتى يتخلصوا من المساحات الكبيرة التي احتكروها سنوات طويلة دون أن يستفيد منها المجتمع.
هناك من يعترض على هذه الحرب ويرى أنها تعطل الاستثمار وتتسبب في خسائر فادحة قد تؤثر مستقبلا على سوق العقار الذي يمثل ثالث أكبر دخل محلي بعد النفط والاتصالات، وهناك من يرى أن الدولة مقبلة على تصحيح وضع السوق الذي لا يستفيد منه إلا فئة محدودة لا تبحث إلا عن مصالحها الخاصة، وهذا ما جعل كبار المستثمرين الذين لا ناقة لهم ولا بعير في العقار يتركون مجالات أخرى ويتجهون لهذا السوق الذي در عليهم أرباحا كبيرة لم يكونوا ليحققوها في الأنشطة الأخرى على مدى عشرات السنين.
ما يهمني الآن أن كفة الميزان بدأت تعتدل والحرب أصبحت سجالا بين الطرفين والنصر فيها سيكون لمن يبحث عن مصلحة الجميع وليس عن مصالحه الخاصة.