أظهر الصراع والاقتتال الحاصلان في محافظات صعدة وعمران والجوف وحجة شمال اليمن، مشهدا يتخلق برحم المذهبية بين حركة الحوثيين (بقيادة عبدالملك الحوثي) المنشقة عن المذهب الزيدي (شيعة) وعناصر من التجمع اليمني للإصلاح الإخوان المسلمين (سنة)، وبدأ يشق طريقه ليتحول إلى صراع واضح على بقاء المذهب بعدما كان صراعا خفيا طيلة سنوات ماضية شهدت خلالها اليمن 6 حروب بين الدولة والحوثيين في مركزهم الرئيس محافظة صعدة.
وأضحى الصراع الذي اندلع في مركز دماج بين السلفيين (السنة) والحوثيين جليا في مذهبيته، خصوصا أن شرارته اندلعت في “دار الحديث” الذي كان يشكل أكبر مركز للسلفيين في اليمن وتأسس في الثمانينات على يد الشيخ مقبل الوادعي.
وأدت هذه الأحداث إلى سقوط مئات القتلى وهدم عدد من المدارس والمساجد، وانتهت بسيطرة الحوثيين على المنطقة وترسيخ المذهب الشيعي بقوة السلاح، إضافة إلى سابقة ترحيل السلفيين من المنطقة لتبدأ مرحلة الفرز المذهبي والطائفي.
تطورات المشهد
وتطور مشهد الصراع بين حركة الحوثيين والتجمع اليمني للإصلاح والجناح القبلي للإخوان المسلمين المتمثل بقبائل حاشد، ثم انتقل أو تمدد من صعدة إلى محافظات حجة وعمران والجوف وصولا إلى منطقة أرحب القريبة من مطار صنعاء الدولي، وهمدان المطلة على العاصمة اليمنية.
وكل هذه المناطق كانت معاركها بين سنة وشيعة حملت في طياتها معطيات مذهبية مغلفة بمفاهيم سياسية لتلك المجموعات المتقاتلة التي تسعى للتوسع سياسيا ومذهبيا وجغرافيا واستقطاب أنصارها ومؤيديها خارج مناطق تمركزها الأساس، مما أدى إلى تصاعد وتيرة فرض أمر واقع على الأرض، استنادا إلى منطق القوة وحمل السلاح واستغلال ضعف سلطات الدولة التي لم تزج بجيشها في هذا المعترك الدامي، خشية فشل المرحلة الانتقالية السياسية الجارية وتقويض مخرجات الحوار الوطني ومبادرة مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة وإفشال كل تلك الجهود الدولية والإقليمية عبر مخطط العنف المذهبي وبث الفوضى.
حركة الحوثيين
ويرى المراقبون أن حركة الحوثيين قائمة على أساس مذهبي وأن دلائل الواقع تؤكد ذلك إذ تطمح إلى السيطرة على أكبر مساحة لإقامة دولة خاصة بهم تضم محافظات صعدة وعمران وحجة والجوف، على غرار ما فعله “حزب الله” في لبنان، حيث يسيطر على مناطق وجعلها مرتبطة مباشرة بالنظام الإيراني.
إلا أن مراقبين آخرين يرون أن حركة الحوثيين تشكل أقلية داخل المجتمع اليمني، وأن الصراع المذهبي لم يعد مقبولا لدى عامة الناس، ولهذا لجأ الحوثيون إلى تغليف أهدافهم الطائفية بمفاهيم سياسية لكي تكون مقبولة لدى المخالفين لهم بالمذهب، ورفع شعارات سياسية من أجل تحقيق أهدافهم مثل الادعاء بأن النظام الحالي فاسد وأن الحوثيين يتعرضون لظلم ممنهج منذ سنوات، ويجب إسقاط الحكومة لكي يتمكنوا من السيطرة على اليمن بدلا من فكرة الدولة.
دراسة بحثية
ويفيد تقرير صادر عن “مركز مدار للدراسات” أن أولى تجليات هذا الصراع ظهرت عام 2003، عبر تصادم بين جماعة الحوثيين والنظام في محافظة صعدة.
وكان قد ظهر هذا الصراع بصورة واضحة بين الطرفين في 6 حروب بين عامي 2003 و2009 انتهت بتسوية سياسية بوقف إطلاق النار بعد وساطة خارجية.
وخلال الحرب تبادل الطرفان تهما كثيرة وحاول كل منهما أن يكشف علاقة الطرف الآخر بقوى خارجية.
فالنظام كان يتحدث عن أدلة تورط إيران بالحرب لصالح الحوثيين الذين ينتمون للمذهب الزيدي وهو أحد مذاهب الشيعة.
وتبعا لذلك، سواء صحت تلك الادعاءات أم لم تصح فإن الأمر يحمل في طياته مضمون الصراع المذهبي بأبعاده السياسية.
مقدمة لحرب مذهبية قادمة
وعلى الرغم من وقف القتال بين الطرفين منذ 2009، إلا أن الحرب السياسية والإعلامية تصاعدت وتيرتها وأخذت أشكالا عدة إذ انتظم الحوثيون في نشاطهم السياسي وانضووا في حزبين سياسيين على الأقل هما “حزب أنصار الله” و”حزب الحق” اللذان يمتلكان وسائل إعلام، صحفا وقنوات فضائية مثل “قناة المسيرة”.
أما السنة فيستغلون نفوذهم السياسي في السلطة من خلال “حزب الإصلاح” الذي يمتلك وسائل إعلامية عديدة مثل قناة “سهيل” وصحيفتي “الناس” و”أخبار اليوم”، إضافة إلى مراكز أبحاث مثل “مركز الجزيرة” و”مركز أبعاد”، فضلا عن عدد من المؤسسات الاقتصادية.ويبدو أن الصراع المذهبي يحمل في طياته جذور صراعات تاريخية مذهبية وقبلية وجهوية (إقليمية) تتخذ من السياسة واجهة علنية.فالحوثيون ظهروا بصورة حركة سياسية ذات بعد ديني، ولم تظهر باسم الطائفة الزيدية.وبدأت نشاطها عام 2001، تحت ما سمي بـ”حركة الشباب المؤمن” في حلقات تعليمية للشباب اتخذت من العداء لإسرائيل وأمريكا خطابا مرجعيا لها، لكسب تأييد في الوسط الاجتماعي العربي والمسلم، في وقت لم تتجرأ فيه أي قوى أخرى على الوقوف في وجه أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، وما تبعها من هجوم لواشنطن على العرب والمسلمين.
أما “حزب الإصلاح” الذي تدخل في إطاره حركتا “الإخوان المسلمين” و”الجهاديين”، فيتخذ من المذهب السني خلفية تدعم نشاطه السياسي.
ووفقا لهذه الاتجاهات، يسير الفريقان في فلك الصراع الدائر في المنطقة الذي تتجاذبه عدة أطراف، وتتجلى صوره بوضوح في الحرب الدائرة حاليا في سوريا وقبلها في لبنان.
إلا أن الصراع في اليمن له خصوصيته لا سيما في ظل الأوضاع السياسية الداخلية المعقدة التي يمر بها اليمن وحضور تنظيم القاعدة فيه، مما قد يجعل الصراعات في اليمن تتخذ منحى آخر تتداخل فيه الأطراف السياسية والمذهبية والقبلية، ويسهل اختراقها وتجاذبها من قبل أطراف عدة.
ويكتنف الصراع الطائفي المذهبي السياسي الدائر اليوم بين الحوثيين والإصلاح في دماج، غموض وتداخل، إذ بدا من خلال المواجهة المسلحة منذ نحو سنتين أن لا فريق تمكن من الحسم.ويتضح بأنه يسير بالطريقة نفسها التي سارت عليها الحروب الست السابقة بين الحوثيين والنظام، عندما كانت تدار بالهاتف إذ عملت أطرافها على ابتزاز المجتمع الإقليمي في كسب الدعم.
صراع مصطنع
“الحاصل الآن في بعض المحافظات الشمالية هو نوع من الصراع السياسي المغلف بإطار وأقنعة دينية ومذهبية، بينما في الحقيقة هو صراع وتنافس على حيز السلطة القادمة بناء على تطورات الأحداث بعد مؤتمر الحوار الوطني..
تحاول بعض الأطراف لا سيما جماعة الحوثي، تعويض مجالها المحدود في الجانب السياسي والحزبي بإيجاد تنافس وصراع مع قوى وتيارات منظمة، مثل التجمع اليمني للإصلاح الذي يمتلك قاعدة شعبية عريضة ومنظمة ولها خبرة وتجربة سياسية منذ ما بعد الوحدة..
أما المجتمع اليمني فلا يوجد فيه أصلا صراع سني وشيعي ولا توجد تربة ملائمة لمثل هكذا صراع مصطنع، كما لا يوجد مناخ لتنشئة مثل هذا الصراع المذهبي، وأن ذلك يعود إلى تقارب المذهبين الفقهيين الشافعي والزيدي.
أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء الدكتور ناصر الذبحاني
مفهوم مرفوض
“التسامح مفهوم أخلاقي نقبله عندما يتعلق الأمر بتسامح المجني عليه مع الجاني لإعفائه من العقوبة، أما عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الأغلبية والأقلية سواء عرقية أو دينية أو مذهبية فهذا المفهوم مرفوض جملة وتفصيلا، وفي هذه الحالة المطلوب هو المواطنة المتساوية وفي إطار الدولة المدنية”.
المحلل السياسي طاهر شمسان
ظاهرة خطيرة
“الصراعات المذهبية الطائفية التي ابتليت بها الأمة العربية والإسلامية أكثر من غيرها، ظاهرة خطيرة.فكما هي في حاجة إلى مواجهة حقيقية وعدم التهاون مع هكذا أفكار أو مريدين لئلا ينفرط العقد المجتمعي، فإنها أيضا تحتاج إلى دراسة علمية معمقة لتفكيك بنائها واستنباط حلول ناجحة لها، باعتبارها مرضا لا بد من تشخيصه ووضع العلاج المناسب له..اليمن ليست استثناء، وبدأت المذهبية والطائفية تطل برأسها مجددا بشكلها القديم أو المستحدث، وهي بالتأكيد خطر ماحق يهدد السلم الاجتماعي ويقوض كل محاولات التطور والنمو، لكنني لا أرى أي مستقبل لرعاة المذهبية والطائفية، كونها لم تقدم ولا يمكنها أن تقدم شيئا للناس، بل تأخذ منهم الكثير وبالتالي فهي إلى زوال”.
نائب مدير تحرير صحيفة الثورة نبيل نعمان
شراك التشيع الأعمى
“مستقبل اليمن أبعد ما يكون عن تأثير العصبة التي يمثلها الحوثي، إذ لا شيء في العبودية ونزعة الاصطفاء السلالي يغري الشعوب الحرة بالتشيع.ولئن خذل الفقر والجهل بعض شرائح المجتمع اليمني، فإن الفطرة كفيلة بتحرير المغرر بهم من شراك التشيع الأعمى”.
رئيس حركة البناء والتغيير أحمد الشرعبي
الكيد السياسي
“الصراع المذهبي في اليمن يغذى من الخارج أكثر ما هو منتج محلي، فاليمن تتميز ببنية اجتماعية متماسكة بحكم أنها دولة ليست متعددة الديانات، ونسيجها الاجتماعي بعيد عن الطائفية، وجميع الأحزاب ثوبها واحد وهو الإسلام.وهذه البنية الاجتماعية وهذا النسيج الاجتماعي صمدا فترة طويلة وأفشلا مخططات، ويبدو الآن أن الفرصة جاءت بسب الكيد السياسي، لتصبح المعركة بشكل علني وصريح بين شيعة وسنة..هذا نذير شؤم قد يجعل اليمن كالعراق ولبنان وسورية، ولكن المؤمل أن العقلاء سيعملون على تغليب مصلحة اليمن فوق كل المطامع والأهواء”.
الأكاديمي بجامعة الحديدة الدكتور أمين الحذيفي

