استقطاب الاستثمارات الأجنبية كان ولا يزال هدفاً أساسيا لسياسة الانفتاح الاقتصادي التي تنتهجها المملكة، ومن أجل ذلك أعدت نظاما استثمارياً شفافا واضحا يحمي حقوق جميع الأطراف، ويضمن سهولة الإجراءات والخدمات المقدمة للمستثمرين، على اعتبار أن هذا النظام شرط أساسي لجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة للاقتصاد، كما أصدرت قراراً يقضي باعتماد البت في طلبات التراخيص للاستثمارات النوعية والمستهدفة من خلال المسار المميز في مدة لا تتجاوز (5) أيام عمل، و(3) مستندات أساسية تتمثل في إقرار من الشركاء برغبتهم في الاستثمار في المملكة.
ونمو الاستثمار الأجنبي يعتبر شهادة ثقة في الاقتصاد السعودي، تأخذه الدول والشركات في الحسبان عند البحث عن مكان آمن لوضع رأس المال يعزز من تنافسية نجاحها، كما أن نمو الاستثمار الأجنبي يرفع من مستوى تنافسية أي دولة يأتي إليها.
والحديث عن ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية في المملكة أمر إيجابي ومؤشر جيد على نجاح سياسة الانفتاح الاقتصادي، لكن ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المالية لم ولن يكن الهدف الرئيس لسياسة الانفتاح الاقتصادي، وهذه الأرقام وحدها لن تحقق الهدف المنشود من استقطاب هذه الاستثمارات إن لم تسهم في نقل المعرفة، وتوطين الصناعة والتقنية، وخلق الوظائف، وإنشاء قاعدة معلوماتية يمكن أن تؤسس لثقافة الصناعة والتقنية، بل ستصبح مجرد أرقام تسجل في سجلات الاستثمار وتقارير الهيئة دون قيمة مضافة للاقتصاد.
فالاستثمار الأجنبي وفقاً لأدبيات الاقتصاد لا يعد استثمارا ذا قيمة للدول المضيفة ما لم يسهم بشكل مباشر في تقديم المعرفة والتقنية الإدارية والصناعية المطلوبة التي تساعد على زيادة الكفاءة الإنتاجية لعوامل الإنتاج، وتتفق هذه النظرية مع استراتيجية الاستثمارات الناجحة التي وضعتها الهيئة العامة للاستثمار مؤخراً، والتي تركز على نقل وتوطين المعارف التقنية، وتنويع مصادر الدخل، وزيادة الصادرات وإحلال الواردات، وتنمية القوى البشرية السعودية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد ومنتجاته في الأسواق، والتنمية المتوازنة بين المناطق الإدارية للمملكة.
وبعد مضي 14 عاماً على فتح باب الاستثمار الأجنبي الذي جاء تلبية لحاجة الاقتصاد السعودي إلى استثمارات أجنبية ذات قيمة مضافة تسهم في التقدم الاقتصادي والصناعي والتقني، والتوظيف المباشر في معظم القطاعات الاقتصادية، هناك سؤال ظلت أجوبة الهيئة تأتي من بعده خجولة، ومبتعدة، وعلى استحياء، وظل السؤال كما هو: هل أسهمت هذه الاستثمارات في خلق قيمة مضافة للاقتصاد؟ وهل استفاد الاقتصاد السعودي منها؟.
أعتقد يقيناً أن مستوى الفائدة الذي تحقق من تلك الاستثمارات لا يرقى للمستوى الذي كان مخططاً له، والقيمة المضافة للاقتصاد شبه معدومة، وبقيت دون إنتاج حقيقي يدعم الصادرات، ويحد من الواردات، أو يوفر فرص عمل للخريجين، كما أنها لم تسهم في توطين التقنية التي تعتبر شرطا أساسيا للتقدم التكنولوجي رغم أهميته.
فالتقدم التكنولوجي وفقاً لنموذج النمو المطور للمفكر الاقتصادي “روبرت سولو” “R.
Solow” عنصر أساسي للنمو بجانب رأس المال والعمل، كما أنه يمكن الاقتصاد من النمو المطرد والمستمر حتى وإن لم يحدث أي تغيير في كميات عناصر الإنتاج الأخرى، عن طريق رفع الكفاءة وزيادة الإنتاجية لعوامل الإنتاج، ولذلك فإن نحو 50% و95% من النمو الاقتصادي في عدد من الدول المتقدمة كان سبب التقدم التكنولوجي.
وبين الأرقام المعلنة لحجم الاستثمارات الأجنبية في المملكة ومساهمتها في توطين التقنية، والتقدم التكنولوجي فجوة كبيرة يمكن أن تختصرها إجراءات خدمة المسار السريع للمنشآت التي تختص بالتعليم، والاتصالات والتقنية، والمشاريع الصناعية التي يفوق رأس مالها 100 مليون ريال سعودي، والطاقة (البترول والغاز، والطاقة الشمسية والمتجددة والذرية والصناعات التحويلية) والشركات الاستشارية لأي من الشركات التي لديها عمليات دولية أو تقنيات حديثة، والخدمات المالية لأي من الشركات التي لديها عمليات دولية أو تقنيات حديثة.
لكن خدمة المسار السريع لن تكون فعالة إذا بقي التركيز على قيمة الاستثمارات وحجمها، وليس على نوعيتها وقيمتها للاقتصاد، وما لم تكن الهيئة حازمة في معرفة كيفية إسهام هذه الاستثمارات في نقل التقنية وتوطين الوظائف النوعية، وتعزيز تنافسية المملكة في الأسواق العالمية، وزيادة الصادرات وإحلال الواردات، إلى جانب طريقة الإنتاج وفق أحدث المواصفات العالمية، وخطة توظيف وتدريب للشباب.
فالهدف الرئيس للاستثمار الأجنبي ليس أرقاما تعلن في المحافل والمؤتمرات الدولية، بل نقل معرفة، وتوطين صناعة وتقنية تسهم في ردم الفجوة العميقة التي لا تزال قائمة في التقدم الاقتصادي والصناعي والتقني.
في الاستثمار الأجنبي.. الأرقام وحدها لا تكفي
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
