الفن في لسان العرب: «واحد الفنون؛ وهي الأنواع، والفنّ: الحال، والضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون، وهو الأفنون، والرجل يفتنّ الكلام أي يشتقّ في فنّ بعد فنّ، ويأتي بالأفانين، فهو مِفَنّ؛ يأتي بالعجائب»، ومن هذا الأصل اللغويّ صار صاحب الفنّ فنّانًا؛ لقدرته الفائقة على الإبداع في استنباط الأشياء من الأشياء وتغييرها وتبديلها وتوسيعها وتكثيرها، حتّى قيل عن الفنّان إنّه المبدع الذي يؤكّد امتلاكه العلم بأصل الأشياء والمعرفة الدقيقة بجواهرها، فصار الفنّ خبرة، وقيل إن الفنّ إنّما هو يكثّر الوجود بقدرة الإنسان على الافتنان في معاينة موجوداته على اختلاف طبائعها وحقائق وجودها.
وحين نحاول استجماع نظريّة الفنون منذ القدم نجدها تعني البحث الدقيق والعلم المنظّم والمعرفة المنهجيّة في أصل نشأة الفنون الستّة القديمة، وهي: الشعر (أو الأدب بمعناه العام) والنحت (أو فن العمارة) والرسم (أو التصوير بأنواعه) والموسيقا والرقص والتمثيل (أو المسرح)، وسابعها الحديث وهو السينما، وفي طبيعة هذه الفنون (أو ماهيّتها)، وفي وظيفتها التي من أجلها وجدت.
ويرى أغلب الدارسين أنّ هذه الفنون الزمانيّة/السمعيّة منها كالموسيقا، والمكانية/البصريّة كالنحت والرسم، والزمكانيّة/أي السمعية والبصريّة معًا كالشعر والتمثيل (ولذا نُعت كلّ منهما بأنّه أبو الفنون)، إنّما نشأت وترعرعت في بدء أمرها لدى الإنسان لتجيب عن سؤاله الكبير عن معنى وجوده، فانبثقت صورها الأولى من دور العبادة، ومن أماكن تأمّلاته لمعرفة الكون، وتجمعّاته لأداء الطقوس المتعدّدة التي تشبع تعطّشه للإيمان الديني، وتطلّعه الروحي البعيد الأهداف.
فهذه الفنون جميعها هي فعاليّات إنسانيّة، دالّة على خبرات ومعارف وعلوم وتجارب، يتواصل بها الناس فيما بينهم، تواصلاً حيويًّا عبر وسائط من موجودات هذا الكون، تهذّب وتشذّب وتصاغ صياغة جماليّة الطابع، فترهف حواسّ المتلقّي الخمسة، وتربّي الذوق لديه، بعد أن تكون قد فعلت فعلها ذاته في الفنان المبدع الذي صار ماهرًا وبارعًا في نقل العدوى إلى كل من يحب فنّه.