منذ أمد بعيد ارتبط معنى البخل بحب المال وعدم إنفاقه والاتصاف بالشح، وفي هذا السياق جاءت الحكم المنثورة والطرائف المذكورة في هذا الشأن. حتى ألف الجاحظ في ذلك كتابه المعروف البخلاء، والواقع أن معنى البخل يتسع لمدلولات أخرى ربما كانت أبلغ في المعنى المذموم من منع المال مع غفلة الناس عنها، وأعظمها فيما أرى البخل الأخلاقي، وهو بلاء قد يتلبس به حتى الفقراء الذين لا يجدون مالا أصلا، وإذا كنا من ناحية فلسفية صرفة يمكن أن نرجع البخل المالي إلى بخل أخلاقي من نوع ما قد كمن في النفس، فإننا هنا سنأخذ الأمر على ظاهره لنقول إن حرص الإنسان على المال وتمسكه به قد يكون استجابة فطرية غريزية من حيث الأصل، ولكن تهذبها الثقافات، وفي مقدمتها الدين. وقد يكون المرء قد تعب واجتهد وأمضى عمره في جمع المال فيعز عليه بذله، لأنه يرى فيه كل ذلك التعب والجهد والعمر. وقصة علاقة المال بالنفس قصة عميقة جدا، ولخطورتها فقد عالجها الإسلام بأعظم التوجيهات النفسية والترتيبات التشريعية، فأقر بوظيفة المال وميل النفوس إليه وأمرها بكسبه ورغبها في إنفاقه وضبط الحقوق المترتبة عليه، وحدد وظائفه العامة وطرق انتقاله في الحياة وبعد الممات، بما لا مزيد عليه ولا نظير له في أي ملة سابقة أوقانون وضعي. والمقصود أن الاتصاف بالبخل المالي، لكل ما سبق ولما قد يتصف به البشر من عوارض النقص، قد يكون أمرا مفهوما، ولكن الذي لا يمكن فهمه هو أن يبخل الإنسان بالمعاملة الأخلاقية الحسنة مع غيره، مع عدم خسارته لشيء، بل هو مأجور مثاب عليها. ولهذا فإذا أردت أن ترى أسوأ أنواع البخل فانظر لحال بعض من تعرف من الناس ممن يبخل على غيره بالابتسامة وحسن المقابلة والأدب في الخطاب وإظهار الاهتمام المستحق للآخرين، والإفساح في المجالس والمساعدة بالجاه والشفاعة بالقول وتحمل الأخطاء العارضة ونسيان الزلات القديمة وترك الغضب الفارغ وصدق الوجه والنظرات في الحضرة وفي الغياب، وغيرها من الأمور اليسيرة، بل إنك لتجد من يبخل حتى بالسلام، فإذا ألقاه خرج مملوءا بروح غريبة من الشك والظن السيئ ومغلفا بكبر وتعال، وكلما زاد عدد البخلاء من هذه الفصيلة في المجتمع بدا شاحبا لا روح فيه ولا أنس ولا محبة، ولذلك كان حسن الخلق من الإيمان، وكان سببا للقرب منه، صلى الله عليه وسلم، في الجنة، وكانت أخلاقه، عليه الصلاة والسلام، وسخاؤه الأخلاقي دافعا لقبول دعوته وتصديقها.
مجتمع البخلاء
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
