من هم الإسلاميون الموجودون على الساحة السياسية الآن وينادون بعودة الخلافة والوحدة الإسلامية وتطبيق الشريعة والحياة على مثل ما كان عليه الرسول وصحابته الكرام؟!
سجل عندك! الإخوان المسلمون، السلفية، الأشاعرة، القاعدة، السرورية، الجامية، حزب التحرير، جماعة الدعوة والتبليغ، الصوفية، داعش! وفي المذهب الشيعي: الخمينية (ولاية الفقيه)، الشيرازية (شورى الفقهاء)...
في المذهب السني يكاد الصراع يكون بين ثلاثة تيارات، وهي السلفية والأشاعرة، والإخوان المسلمون. ويأخذ الصراع شكلا فقهيّا بين السلفية والأشاعرة، أما مع الإخوان المسلمين فيأخذ طابعا سياسيا يتمثل في التنافس على المواقع وأماكن النفوذ. الصراع بين السلفية والأشاعرة صراع مزمن داخل البيت السني، ويرجع لأيام أهل الحديث الحنابلة والأشاعرة الذين تمذهبوا فقهيا بالمذهب الشافعي نكاية بالحنابلة. السلفية انشطرت إلى سلفية سلطانية (جامية) وسلفية حركية (سرورية) وسلفية جهادية (القاعدة).. هذه النحل في حربها المستعرة هي في حقيقتها تدين بمشروع ديني واحد ومشروع سياسي واحد، وإن اختلف التكنيك، تؤمن بفرض الشريعة، وتؤمن بهيمنة الفقهاء على الدولة واحتكارهم لإصدار القوانين. الأشاعرة الذين يمثلهم الأزهر يعيش جلهم في دول فقيرة، بالتالي ليس لهم تأثير واضح، لكنهم ما زالوا محافظين على تراثهم ونهجهم.
أما حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ فبرزت إبان الاستعمار وسقوط الخلافة العثمانية، فكل جماعة اختارت طريقة لإعادة الوحدة للأمة، حزب التحرير اختار التغيير من أعلى رأس الهرم واستورد الفقه الاستبدادي الذي تبلور في العصر العباسي، وتخشّب الحزب دون أن يعرفه أحد! أما الإخوان المسلمون فاختاروا التغيير من وسط الهرم واستهدفوا طبقة المتعلمين كالمدرسين وأصحاب الزوايا والتجار، وانقسمت هي الأخرى إلى حرس قديم وجيل جديد يؤمن بالحريّات العامة والتعددية. أما جماعة الدعوة والتبليغ فاختارت أن تستهدف قاعدة الهرم، وتؤمن بأن عامة المسلمين إذا ما رجعوا إلى دينهم فإن الأمة ستنهض. وما زال أفرادها في زيارات ودية متبادلة منذ ثمانين عاما من أجل أن تنزل البركة والهداية على الأمة!
هذه التيارات، كما يعلم الجميع، تنظر للدين والدولة والمجتمع نظرة بدائية، بسبب تصوراتها المثالية والخيالية، تتجاهل أنه كان في يوم من الأيام ثلاثة خلفاء في آن، خليفة عباسي ببغداد، وفاطمي في مصر، وأموي في الأندلس. وتجهل أن الوحدة التي كانت قبل ذلك هي وحدة فيدرالية، حتى بعد أن تفككت الخلافة بقي المجتمع يشعر بالوحدة، ولم يشعر بتفكك الخلافة بسبب الوحدة الثقافية والاجتماعية وعدم وجود حدود وجمارك وتأشيرة. كان الإنسان يخرج من بغداد حتى يصل الأندلس دون أن يقول له أحد أفصح عن هويتك! تماما كما يعيش أفراد الاتحاد الأوروبي.
في زمن بني أمية جاء والٍ جديد إلى مكة ومنع المغنيّات (لاحظ وجود مغنيّات في زمن مبكر من عمر الإسلام وفي مكة!) فراجعه بعضهم في ذلك فرفض بشدة، فذهبوا إلى أجمل مغنية في مكة وألبسوها الخمار وجاؤوا بها إلى الوالي التقي، فقالوا: والله حسنا فعلت، هذه أشهر مغنية تابت واعتزلت الغناء! وأقسموا له بأن صوتها جميل فأمرها أن تقرأ شيئا من القرآن، فأجابت بأنها لا تحفظ شيئا من القرآن، فاقترحوا عليه أن تغني له حتى يسمع صوتها. فوافق وفعلت! فافتتن بصوتها، وما هي إلا أيام قلائل حتى عاد الغناء في مكة!
الإسلاميون يتغاضون عن التاريخ الحقيقي للمجتمع الإسلامي، ويرسمون في مخيلتهم صورة العباد والزهاد الذين يقومون الليل ويصومون النهار، ويتجاهلون التاريخ السياسي للدولة، وكيف بدأ الخلاف حول تولي السلطة منذ سقيفة بني ساعدة وإلى يومنا هذا، يتغاضون عن الحرية الفكرية والثقافية والاجتماعية التي كان عليها الناس في ذلك الزمان، ويتغاضون عن كتب الأدب والتراث التي تغص بقصص الخمرة والنساء. يقصون من الشريعة ما يناسب غاياتهم السياسية مثلما أقصوا العدل والشورى والحقوق. أنا أعتز بالإسلام وأدعو للعودة لروحه، ومؤمن بفضله على حضارتنا كعرب، وعندما أقول أنا لست إسلاميا، يعني أنني لا أرى الإسلام كما يراه هؤلاء، ومشروعهم ليس مشروعي.