الجدل الليبي الدائر الآن حول قانونية تعيين أحمد معيتيق رئيسا للحكومة المؤقتة، يدل على هشاشة المؤسسات الدستورية وضعف سيطرتها على الدولة. فبالرغم من مصادقة رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبو سهمين على قرار التعيين وتكليفه بتشكيل الحكومة خلال مدة أقصاها 15 يوما من تاريخ القرار، إلا أن المؤشرات تنذر بمواجهات قد تتحول من لغة القانون إلى لغة السلاح، بعد احتجاج عدة نواب ونائب رئيس المجلس عز الدين العوامي، الذي ترأس جلسة التصويت أمس الأول وألغى تعيين رئيس الوزراء الجديد. التناقض في نتائج التصويت بين بيان نائب الرئيس عز الدين العوامي بأن المعيتيق حصل على 121 صوتا (أعلى من النصاب القانوني 120 صوتا)، وبين بيان النائب الثاني للرئيس صالح المخزوم، أن المعيتيق حصل على 113 صوتا فقط، صورة كربونية للواقع الليبي. والمشكلة التي يمكن أن تبرز في هذه الحالة ليست في تثبيت المعيتيق في منصبه الجديد، إنما في تشكيل حكومة قوية تستطيع فرض سيطرتها على مفاصل الدولة. فالصعوبات تكمن في عجز الحكومة المقبلة عن السيطرة على الميليشيات التي ساعدت في الإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وباتت اليوم كيانات مدججة بالسلاح تتحدى سلطة الدولة.
عملية تأسيس مؤسسات الدولة الليبية تمر بمرحلة مخاض عسير تتوجب بذل جهود مكثفة لتحقيق الحلم الذي انتفض الشعب من أجله بالعيش في حرية وديموقراطية. ولكن لغة السلاح باتت اليوم هي اللغة السائدة في الحوار الليبي، حتى أن عملية التصويت داخل البرلمان لاختيار رئيس وزراء جديد خلفا للمستقبل عبدالله الثني، شابها جدل امتد إلى التشابك بالسلاح بعدما اقتحم مسلحون مقر البرلمان في جلسته الثانية غضبا لاستبعاد مرشحهم من عملية التصويت. تحتاج ليبيا الآن إلى زعيم جديد يستطيع جمع شمل الأمة في كيان موحد، والقضاء على الميليشيا المسلحة، والقضاء أيضا على قانون الغابة الذي يدمر جميع الخطط الرامية إلى تأسيس دولة قوية. ولا تلوح في الأفق بارقة أمل في ظهور هذه الشخصية الكارزمية، ويبدو أن مرحلة المخاض الليبية ستحتاج وقتا طويلا لولادة هذا الأمل.
والمطلوب الآن إتاحة الفرصة أمام المعيتيق لتشكيل حكومة قوية، تزامنا مع جلسات لجنة الـ60 لصياغة الدستور الجديد في مدينة البيضاء. والفرصة ما زالات مهيأة لتحقيق وحدة الكلمة الليبية قبل أن يستفحل خطر سلاح الشوارع، ويولد معها صومال جديد.