من الصعب أن يتحرر المرء من الأقوال الشائعة التي تحف باسم ما أو مسألة ما، ويغلب على تفكيرنا تتبّع تلك الأقوال دون أن نفحص عنها، فنقع في أحابيلها، حتى لا نستطيع أن نبرأ منها.
حامت حول طه حسين جمهرة من الأقوال الشائعة منها ما يتصل بأدبه، ومنها ما يتصل بنقده، ومنها ما يتصل بفكره، والرجل الذي أنفق شطرا كبيرا من جهاده الثقافي لتقريب ما بين الشعر العربي القديم وقراء الصحف السيارة، عدَّه دارسون ناقدا “انطباعيا”، حلو الكلام، ليس في نقده إلا نثر للشعر الذي يعجبه ويلذ له، وكلما تقدمنا في الزمان واتصل النقد الأدبي بالمناهج النقدية الحديثة التي شاعت في أروقة الجامعات، أخذت تلك الأقوال تشيع حتى صعب أن يبرأ أحد منها.
وتحقيق هذه المسألة ليس بالأمر الشاق، ولا يحتاج منا إلى ضرب في كتب طه حسين التي وقفها على نقد الأدب وما أكثرها، وربما كان في الإلماح إلى أشهرها كفاية، وأحسب أن في كتابه “حديث الأربعاء”، وهو نقد قصد به صاحبه تقريب ما بين الشعر القديم والقارئ المعاصر، ما يجلو طبيعة نقد طه حسين، وهو لا شك نقد يقوم على الذوق، ولكنه الذوق الذي يخفي في طياته خبرة نافذة وبصرا في تعمق الشعر واللغة، دون أن يقطع ما بينه وبين القارئ بحوائل من الإبهام والغموض، ودعاوى المنهج والمصطلح.
أقرأ في “حديث الأربعاء” تلك البصيرة النقدية النافذة، وأقف في أثناء فصوله على ربط عجيب للقصيدة المفردة بدوائر مختلفة للشعر العربي، وكأن طه حسين يقرأ الشعر بالشعر، مع ما في هذا الضرب من القراءة من مشقة وجهد لا يتاحان لأي أحد، وهو فوق ذلك دائم التأمل لعوامل الاتصال والانفصال بين هذه القصيدة وشعر الحقبة التي تعتزي إليها أو الحقبة التي جاءت في أثرها، حتى ليدهشنا بلطف تهدِّيه إلى تفاصيل ليس من اليسير التهدِّي إليها، حتى إذا خلص إلى روح ذلك الشعر، إذا به يقرأ الشعر والشاعر قراءة رائدها معرفة روح الثقافة، ذلك الروح الذي تدسَّس في أثناء الشعر، واختبأ وراء الكلمات.
طه حسين وكلمات الشعر
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
