التوتر المتزايد بين حكومة العدالة والتنمية وما تسميه بالكيان الموازي أو الدويلة داخل الدولة الذي ينسب إلى جماعة فتح الله غولن يتفاعل يوما بعد يوم وينتقل من صفحة إلى أخرى.آخر جديد هذا التوتر ظهر إلى العلن بعد عمليات المداهمة والاعتقال في ديسمبر الماضي ضد سياسيين ورجال أعمال وبيروقراطيين بتهم الفساد والرشاوى وإساءة استخدام السلطة.وتتهم حكومة رجب طيب إردوغان الجماعة بالوقوف وراءه.

نشاطات الجماعة

ويرى الكثير من المراقبين لهذه المواجهة بين الجانبين أن المعلومات التي تتردد حول تحقيق سري مفصل يجريه المدعي العام التركي حول نشاطات الجماعة داخل رئاسة هيئة الاتصالات التركية واحتمال نقل معلومات ووثائق مهمة إلى الخارج، تؤكد اقتراب موعد الانفجار.
وفي هذا الإطار تضيف الكاتبة اصلي طاش باش أن قرار المدعي العام التركي الأخير بعدم ملاحقة 60 شخصا في أحد أهم ملفات عملية ديسمبر الذي شمل اعتقال رجال أعمال وموظفين حكوميين وأبناء وزراء لعدم وجود الأدلة الكافية وبسبب عدم قانونية الوصول إلى المعلومات مثل التنصت أو التعقب سيشكل الخطوة الأهم في الرد على جماعة غولن في إطار عملية تصفية الحسابات معها.
آخر المعلومات التي يرددها الإعلام التركي مرتبطة مباشرة بسناريوهات طلب استرداد غولن من الولايات المتحدة بشكل قانوني على ضوء طلب مباشر من القضاء التركي الذي يجري تحقيقات سرية حول تمركز ونشاطات الجماعة داخل مؤسسات الدولة والأضرار التي ألحقتها الجماعة بهذه المؤسسات ونتائجها على حكومة إردوغان وتركيا.
باختصار فإن عملية التحقيقات وجمع الأدلة اقتربت من نهايتها وأنها ستشمل، عاجلا أم آجلا، مسألة المطالبة باسترداد غولن من الولايات المتحدة الأمريكية رغم أن الناطقة باسم الخارجية الأمريكية ماري هارف رفضت التعليق على هذه القضية بانتظار التطورات.
وهكذا يبرز السؤال التالي إلى العلن: هل ستعيد الإدارة الأمريكية غولن إلى تركيا حقا إذا ما قررت حكومة إردوغان التقدم بطلب من هذا النوع؟

الاعتذار الإسرائيلي

الإعلامي المقرب من الحكومة عبدالله سلفي يتحدث بناء على معلومات مصادره التي يستمدها من داخل حزب العدالة والتنمية عن تفاصيل لقاء عقد قبل عامين بين الضابط الأمريكي ديفيد بتراوس رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية ورئيس الوزراء التركي رغم أن الأخير لم يكن متحمساً للقاء من هذا النوع بسبب سياسات ومواقف بتراوس حيال تركيا والأتراك، وأنه خلال اللقاء اقترح المسؤول الأمريكي أن تقبل أنقرة الاعتذار الإسرائيلي لتركيا في موضوع السفينة مرمرة مقابل دخول أمريكي على الخط لتحسين العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن والتي رفضها إردوغان، كما قيل، مستغربا حجم التقارب بين الإدارة الأمريكية وجماعة غولن الذي ازداد واتسع في الأعوام الأخيرة، كما يقول سلفي.
وطرح سلفي التساؤل التالي: ما هذا التقارب بين واشنطن وجماعة غولن حتى تتجرأ واشنطن على تقديم اقتراح من هذا النوع؟ ما هي هذه الدوافع وأي نوع من العلاقات كانت قائمة بينهما وتشجع الإدارة الأمريكية على اقتراح من هذا النوع قبل عامين؟

غولن إلى تركيا

إبراهيم قرة غل، الكاتب الإسلامي، يرى أن رد إردوغان يقترب وأن حديثه عن وجود استعدادات قضائية لإقامة دعوى ضد العلامة فتح الله غولن وجماعته وأن هذا الملف سيسلم للإدارة الأمريكية لمطالبتها بإعادة غولن إلى تركيا لمحاكمته يعكس تمسك الحكومة بمواقفها في مواصلة هذه الحرب حتى النهاية وأن خيارات التفاهم مستبعدة٠ويرى حقوقيون أتراك أنه وعلى ضوء التحقيقات وجمع الأدلة التي بدأت منذ أشهر حول نشاطات الجماعة وتحركاتها يبدو أن ملف التهم سيكون شاملا ومفصلا ومبينا على أكثر من مادة أهمها تهم تتعلق بالتحضير لانقلاب على السلطات الشرعية والقيام بأعمال ونشاطات تؤدي إلى إقامة دولة داخل الدولة، أو ما يعرف بـالكيان الموازي والتخابر مع دول خارجية من أجل استهداف الأمن القومي التركي وأن التحقيق القضائي الذي بدأته النيابة العامة بحق فتح الله غولن وجماعة “الخدمة” سيشمل كل هذه التفاصيل عند تقديمه للإدارة الأمريكية لمساعدتها على إعطاء قرارها.

اختلاف الرؤى

كتاب كثر مقربون إلى جماعة غولن يرددون أن الحكومة هي التي تتحمل مسؤولية هذا التوتر بعدما تخلت عن الكثير من الشعارات التي رفعتها والتي دعمتها الجماعة فيها مثل توسيع رقعة الحريات ووضع تركيا على طريق الانضمام للاتحاد الأوروبي ومكافحة الفساد والمحسوبيات والرشاوى، لكن قيادات العدالة والتنمية ترى أن التنصت على المسؤولين الأتراك وفي مقدمتهم رئيس الدولة عبدالله غل، ورئيس الوزراء وقيادة الجيش وعشرات الوزراء والنواب والموظفين والإعلاميين لا يمكن أن تمر دون محاسبة، وهذا ما يقوله أيضا عمر شليك أقرب أعوان إردوغان الذي يرى أن التحقيقات الجارية لها علاقة مباشرة بمسائل الإخلال بالدستور وتشكيل منظمة خارجة عن القانون.

صعوبة الإعادة

ويتحدث قدري غورسال الإعلامي في جريدة ميليت عن صعوبة الإعادة، لأن المسألة سياسية منذ بدايتها حتى نهايتها، وواشنطن تعرف ذلك أكثر من غيرها وهي لن تعتمد الحجج والوثائق التي سيقدمها القضاء التركي.
ويتفق الكاتب سميح أيديز مع ما يقوله غورسال، مشيرا إلى أن كل ما تريده الحكومة في هذه الفترة هو تحقيق إنجازات سياسية على الأرض في مواجهتها مع جماعة غولن وأن موضوع استعادته ليس عاجلا، بل المهم لعب هذه الورقة باستمرار ضد الجماعة داخل تركيا وخارجها ومحاولة إضعافها وتفتيتها.
ويستعرض الصحفي يوسف اونال ما فعلته الجماعة من أعمال ضد إردوغان وحكومته، وبينها كما يقول محاولة إسقاط إردوغان وحزبه وضرب الاقتصاد التركي والإساءة لسمعة تركيا في الداخل والخارج والتحالف مع اليسار العلماني، الذي كانت تحاربه حتى الأمس القريب، والتنصت على السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال والأكاديميين، ألا يكفي كل ذلك للمطالبة باستردادها؟

تبادل المحكومين

الدبلوماسي التركي وممثل تركيا في محكمة العدل الأوروبية لسنوات طويلة، رضا تؤمان، يقول إن اتفاقية عام 1980 بين أنقرة وواشنطن حول تبادل المتهمين والمحكومين ستكون هي أساس التفاوض في المرحلة المقبلة، لكنها قضية قد تطول بحسب تفاصيل ملف الاسترداد والمواد التي تستند إليها الحكومة في طلبها هذا وأن يكون هناك قرار قضائي بإقامة دعوى ضد غولن مما يدفع أمين شول اشان، الكاتب العلماني المتشدد لطرح التساؤل حول ما الذي ستفعله حكومة إردوغان في حال رفضت واشنطن تسليم غولن؟ المؤشرات والدلائل كلها تلتقي عند نقطة واحدة هي استعداد الحكومة لمطاردة غولن قضائيا وتضييق الخناق عليه سياسيا.